المغربية المستقلة : عبد العزيز مضمون
في الوقت الذي تعيش فيه مناطق كـآيت بوكماز، الواقعة في قلب جبال الأطلس بإقليم أزيلال، عزلة مزمنة وحرمانا مستمرا من أبسط مقومات العيش الكريم، يخرج رئيس الحكومة المغربية من تحت قبة البرلمان ملوحا بقدرة مفترضة على “تحريض المستثمرين على وقف أنشطتهم بالمغرب”، في تصريح خطير لا يليق بموقعه ولا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
آيت بوكماز ليست سوى نموذج من مئات المناطق المغربية التي تعاني في صمت. قرى معزولة، مدارس متداعية، طرقات محفوفة بالموت، وغياب الرعاية الصحية، لا يختلف الشتاء عن الحصار، ولا المرض عن المصير المحتوم. إنها مناطق منكوبة بالتهميش الممنهج، تدفع ثمن غياب الإرادة السياسية في تحقيق عدالة مجالية حقيقية.
القافلة التضامنية التي نُظمت مؤخرًا في آيت بوكماز جاءت لتكشف عمق الفجوة بين مغربين: مغرب النخب المتصارعة على المناصب والامتيازات، ومغرب الفقراء الذين ينتظرون حبة دواء أو غطاء يقيهم زمهرير الأطلس.
لكن المبادرات التطوعية، رغم رمزيتها النبيلة، لا تعفي الدولة من مسؤولياتها. فدولة لا تصل خدماتها الأساسية إلى جبالها وقراها النائية، هي دولة تحتاج إلى مراجعة جوهرية في أولوياتها.
في هذا السياق المأزوم، بدا تصريح رئيس الحكومة الأخير مستفزا بل وخطيرا. حين يهدد الرجل الأول في الجهاز التنفيذي بإمكانية تحريض المستثمرين على الرحيل من البلاد، فهو لا يهدد خصومه السياسيين فقط، بل يضع الاقتصاد الوطني برمته في مهب الخطاب الانفعالي. مثل هذه التصريحات لا تضرب فقط ثقة المستثمرين، بل تمس جوهر استقرار الدولة، وتفتح الباب أمام الفوضى المؤسساتية.
إنه تهديد لا يجب أن يمر دون مساءلة واضحة، لأنه يصدر ممن يفترض فيه حماية مصالح الدولة، لا التلويح بهدمها عند أول احتكاك سياسي. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسة الملكية، باعتبارها الضامن لاستقرار البلاد ووحدتها، في التدخل لوقف هذا النزيف السياسي الذي يُفقد المغاربة الثقة في مؤسساتهم.
بين جبال الأطلس وقبة البرلمان… صرختان
صرخة منسيين يطالبون بحقهم في الطرق والمدارس والماء والدواء.
وصرخة سياسية من أعلى منصب تنفيذي تهدد بإطفاء مصابيح الاقتصاد.
هذا هو المغرب المتناقض بين واقع مؤلم وخطاب متهور. وبينما تنتظر القرى المهمشة أبسط حقوقها، يُسمع في العاصمة تهديدٌ بوقف عجلة الاستثمار، كأن المواطن الفقير هو من يجب أن يدفع ثمن تصفية الحسابات السياسية.
المطلوب اليوم ليس فقط ضبط التصريحات، بل إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة التي ترعى الجميع، لا دولة يُترك فيها المغرب العميق للمساعدات الموسمية، بينما يتقاذف المسؤولون كرة الاقتصاد والمصير الوطني بينهم.
وإذا كانت الجبال تصرخ بصوت الصقيع والجوع، فإن على صوت الحكمة والعقل أن يعلو في الرباط، حتى لا نسير جميعا نحو منحدر لا رجعة منه.
