حين يغيب الوازع وتنهار الأخلاق : التجاوزات في زمن السوشيال ميديا”

المغربية المستقلة : يوسف دانون/بروكسيل

في زمنٍ ليس ببعيد، كان التواصل بين الناس محكومًا بأدبيات واضحة، تحكمه منظومة من القيم، وتضبطه أخلاق الاحترام المتبادل، مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف. أما اليوم، فقد أصبحنا نعيش مشهدًا مختلفًا تمامًا، مشهدًا تتساقط فيه المبادئ تباعًا، وتتآكل فيه العلاقات الإنسانية، حتى أصبحنا غرباء في مجتمعاتنا، نخشى من بعضنا أكثر مما نطمئن لبعضنا.

أبرز مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي تجلّت — بكل أسف — عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للحوار، ونافذة للتعبير، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى ساحة حرب مفتوحة، لا تُحكمها قوانين، ولا تضبطها حدود. الكل يتحدث، الكل يهاجم، الكل يُصدر الأحكام، ولا أحد يتحمّل مسؤولية الكلمة.
لم يعد الأمر مقتصرًا على الشتائم أو الإساءة اللفظية، بل تطوّر ليصل إلى التهديد بالقتل والتصفية الجسدية، ونشر الشائعات، والتشهير بالأعراض، بل والمتاجرة بآلام الناس وخلافاتهم الشخصية. والأخطر من ذلك كله، أن هذه التجاوزات تُمارَس في العلن، وعلى مرأى من الجميع، دون حسيب ولا رقيب، وكأننا في غابة لا قانون فيها.
إن غياب الردع القانوني، وعدم تطبيق القوانين بحزم، ساهم بشكل مباشر في انتشار هذه الظواهر السلبية. لكنّ المسؤولية لا تقع على السلطات وحدها، بل تقع أيضًا على عاتقنا كمجتمعات، فقد تخلينا — دون أن نشعر — عن ثقافة الاحترام، وبتنا لا نُقدّر قيمة الآخر، ولا نحتمل وجود المختلف. أصبحنا نستهزئ، ونحكم، ونهاجم، فقط لأننا نملك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت.
أليس من المؤلم أن يصبح “القتل الافتراضي” أمرًا اعتياديًا؟ أن تُهدد إنسانة لأنها عبّرت عن رأي؟ أن يُشهَّر بإنسان لأنه خالف السائد؟ ما الذي تبقّى من إنسانيتنا إن كنا نُبرر العنف ونُصفق للإهانة؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ لا يحترم قوانينه، ولا يحمي أفراده، أن ينهض أو يزدهر؟
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى وقفة جادة مع النفس، وإلى مراجعة حقيقية لسلوكنا، فردًا فردًا. يجب أن نُعيد الاعتبار للكلمة، وأن نُدرك أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الرأي لا يبرر التجريح، وأن “الاختلاف” لا ينبغي أن يتحوّل إلى “خصومة”. ولعلّ أول خطوة نحو الإصلاح هي أن نُربي أبناءنا على الاحترام، لا على الردود الجارحة، وأن نُطالب بتفعيل القوانين، لا التغاضي عنها.
فلنُعد لمجتمعاتنا شيئًا من الدفء الذي افتقدناه، ولنُدرك أن البناء يبدأ من الداخل، من ضمائرنا، قبل أن يكون من حولنا.

Loading...