التنظيم القانوني لأسعار المنتجات البحرية في المغرب: دراسة على ضوء قضية الشاب عبد الإله وبَيْع السَّرْدين بِثَمَن 5 دَرَاهم : من اعداد ذ وليد الخراز

المغربية المستقلة  : من اعداد ذ وليد الخراز ، باحث في العلوم الجنائية وحقوق الانسان

مقدمة : 

أثارت مبادرة الشاب عبد الإله في مدينة مراكش، المتمثلة في بيع السردين بسعر 5 دراهم للكيلوغرام، جدلاً قانونيًا واقتصاديًا حول آليات تسعير المنتجات البحرية، ودور الوسطاء في ارتفاع الأسعار. ورغم الطابع الاجتماعي لمبادرته، إلا أن المسألة تطرح تساؤلات حول مدى قانونية هذا التصرف في ضوء التشريعات المنظمة للأسواق والمواد الغذائية بالمغرب.

يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه القضية من الناحية القانونية، بالاستناد إلى القوانين المغربية، خاصة قانون المنافسة وحرية الأسعار، ومدى إمكانية تدخل السلطات في مثل هذه الحالات.

أولًا: الإطار القانوني لتحديد أسعار المنتجات البحرية في المغرب

1. حرية الأسعار وضوابط التسعير وفق القانون المغربي

يُؤَطِّر القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة مسألة تحديد الأسعار في المغرب، حيث يكرس مبدأ حرية الأسعار، باستثناء بعض المنتجات التي يمكن للسلطات التدخل لتحديد سعرها بموجب المادة 2 من هذا القانون، في حالة وجود اختلالات في السوق تؤثر على مصلحة المستهلك.

وبما أن الأسماك لا تدخل ضمن قائمة المنتجات الخاضعة لتسعير إداري، فإن تحديد ثمنها يتم وفق آليات السوق، بناءً على العرض والطلب. وهذا ما استند إليه الشاب عبد الإله عندما قرر بيع السردين بسعر 5 دراهم، حيث لجأ إلى الشراء المباشر من الموانئ متجاوزًا الوسطاء.

2. دور الوسطاء والسماسرة في تسعير الأسماك

تنظم القوانين المغربية عملية بيع المنتجات البحرية عبر ظهير 23 نوفمبر 1973 المتعلق بتنظيم تسويق المنتجات البحرية، والذي يمنح الأولوية لبيع الأسماك في أسواق الجملة داخل الموانئ، مع إلزام التجار باحترام مسارات التوزيع الرسمية. ويثير دور الوسطاء، الذين يتحكمون في الأسعار عبر المضاربة، تساؤلات حول مدى توافق هذه الممارسات مع مقتضيات قانون المنافسة، خاصة المواد 6 و7 التي تحظر الاتفاقات الاحتكارية والممارسات المناهضة للمنافسة.

ثانيًا: الأبعاد القانونية لتصرف الشاب عبد الإله

1. هل يمكن اعتبار بيع السردين بسعر منخفض ممارسة غير مشروعة؟

من الناحية القانونية، لا يوجد نص يمنع أي بائع من تحديد سعر منتجه بحرية طالما لم يكن هناك اتفاق احتكاري بين الفاعلين في السوق. وبالتالي، فإن تسعير الشاب عبد الإله للسردين بسعر منخفض لا يشكل مخالفة قانونية، ما دام لم يخضع لأي ضغط من طرف جهة معينة لإحداث اضطراب مصطنع في السوق.

لكن، إذا تبين أن هناك نية لإحداث إغراق في السوق بأسعار تقل عن التكلفة الفعلية، مما يؤدي إلى الإضرار بالتجار الآخرين، فقد يتم اعتبار ذلك ممارسة منافية للمنافسة بموجب المادة 7 من قانون 104.12. ومع ذلك، فإن تصريحاته بكونه يحقق ربحًا من البيع المباشر من الميناء تجعله في منأى عن هذا التوصيف القانوني.

2. مدى مشروعية ردود فعل التجار والوسطاء تجاه مبادرة الشاب

في المقابل، يمكن اعتبار محاولات بعض الوسطاء والتجار منع عبد الإله من بيع السردين بسعر منخفض مخالفة للمادة 6 من قانون المنافسة، التي تحظر الاتفاقات بين الفاعلين الاقتصاديين للحد من المنافسة. فإذا ثبت وجود ضغوطات أو تهديدات ضد هذا البائع، فقد يكون ذلك موضوع ممارسات منافية للمنافسة، مما يستدعي تدخل مجلس المنافسة لفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات المناسبة.

ثالثًا: التداعيات القانونية والمقترحات التشريعية

1. ضرورة تدخل مجلس المنافسة

بما أن هذه القضية تطرح إشكاليات تتعلق بالمنافسة الشريفة، فإن مجلس المنافسة، وفقًا لاختصاصاته بموجب القانون 20.13، يمكنه التدخل عبر فتح تحقيق حول دور الوسطاء في رفع الأسعار، ومدى التزام السوق بمبادئ الشفافية والمنافسة العادلة.

2. تعزيز الرقابة على المضاربة في الأسعار

رغم أن حرية الأسعار هي القاعدة العامة، فإن الدولة يجب أن تضمن عدم استغلال الوسطاء لهذه الحرية لممارسة الاحتكار والمضاربة غير المشروعة، مما يستدعي تعزيز آليات مراقبة السوق وتفعيل المقتضيات الزجرية في حال وجود تجاوزات.

خاتمة

تعكس قضية الشاب عبد الإله إشكالية أعمق تتعلق بتسعير المنتجات الأساسية، ودور الوسطاء في التحكم في الأسعار. ورغم أن تصرفه لا يبدو مخالفًا للقانون، إلا أنه يكشف عن الحاجة إلى إصلاحات تشريعية تعزز الشفافية وتحمي المستهلكين من الاحتكار والممارسات غير العادلة. كما تطرح القضية تساؤلات حول حدود حرية الأسعار، ومدى إمكانية تدخل الدولة لضبط السوق عند الضرورة.

يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة القوانين الحالية على حماية الفاعلين الاقتصاديين الصغار من سيطرة كبار التجار والوسطاء، وهو ما يستدعي تدخلًا قانونيًا لضمان توازن المصالح بين جميع الأطراف.

Loading...