الأبعاد الجيوسياسية للمغرب

المغربية المستقلة  : للكاتب أيوب نصر

توطئة

وأنا بإزاء كتابة هذا المقال، حول البعد والأهمية والأفق الجيوسياسية للمغرب، كنت أجد أمامي كتابات في هذا الأمر متناثرة هنا وهناك عن موقع المغرب وأهميته الجغرافية التي حباه الله بها، والدور الذي يمكن للمملكة المغربية أن تلعبه إذا أجادت استغلال هذا البعد الجغرافي في اللعبة السياسية والتحركات الديبلوماسية أجود وأحسن استغلال.

وهذا الهجوم على الكتابة والبحث في هذا الأمر هو شيء يراد على أية الحال، لكنه يظل قاصرا، وذلك أن المتكلمين، أو على الاقل الذين اطلعت على كلامهم، يقتصرون على البعد الجغرافي وأهميته في تحقيق مكاسب على رقعة لعبة الشطرنج، لكن مفهوم الجيوسياسية، هو أكثر شمولا واتساعا من الجغرافيا، لأنه ينطوي على كل ما يمكن أن يحدد نمط العيش وأسلوب التفكير ويمكن من النفوذ العميق إلى محركات الأزمات والحروب ويعطي استشرافية عن التحركات الديبلوماسية والسياسية.

الأبعاد الأخرى وأهميتها

وفي اللقاء الشهير التي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالصحفي تاكر كالرسون، عمد الرئيس الروسي نحو مقدمة طويلة مضنية لمن تابع اللقاء، واعتبرتها الغالبية الكثيرة لا فائدة منها، وأنها مجرد سرد لأحداث وروايات تاريخية مملة، ولا غناء فيها، ولكن هذا هو الفرق بين اللقاء الجاد والمقابلة الاستعراضية، ولهذا مع أول سؤال لتاكر، رد بوتين بسؤال آخر: “هل نحن في مقابلة جادة، أو مقابلة استعراضية؟”(1)؛ فإذا كانت المقابلة جادة فلن تخلو من حمل ثقيل تحمله في ثناياها، وتنطوي عليه في محاورها، ليبدأ بوتين بعد ذلك في سرد تاريخ الروس من بداياته الأولى وكيف بدأت تتكون الدولة، وكيف أثرت اللغة الروسية في ذلك والديانة النصرانية الأرثدوكسية، وكيف ساهمت كل من الشخصية الروسية ونمط التفكير الروسي والروح الروسية، وهذه الأمور الثلاث هي المنهج والمفتاح، الذي يمكن الناس، ليس فقط من فهم كلام بوتين خلال اللقاء؛ بل فهم توجه الدولة الروسية ومؤسساتها الخفية، وكيفية عملها، والأسس التي تقوم عليها، والمنطلقات التي تنطلق منها وتنتهي إليها، أما ما جاء بعد تلك المقدمة من كلام عن أوكرانيا ودور الغرب في الصراع، والعلاقة مع الصين، فإنه يجب أن يفهم وفق المنهج الذي حدده بوتين في المقدمة.

ولدراسة الجيوسياسية، فلا يقف الأمر على دراسة الجغرافيا وتأثيرها في الناس وقرارات صناع القرار، وإنما يجب دراستها بشكل موسع، وذلك بالنظر في تأثير الجغرافيا والتاريخ واللغة والدين، مما يساعدنا في فهم الآخر فهما دقيقا ويمكننا من النظر في الأزمات وتحليل أسبابها تحليلا يمكننا من معرفة، ليس فقط أسبابها وتعليقها بعللها، استشرافية.

وهذه الأمور الثلاث، التاريخ واللغة والدين، زائد الجغرافيا، التي تؤثر وتصنع الروح والشخصية، هي التي حركت مغاربة أمستردام، ودفعتهم إلى ما دفعتهم إليه، وهذا ما يجعل المغرب في قلب العالم العربي، وإن وضعته الجغرافيا في أدناه، فهو إمتداد لهذا العالم العربي وهذا العالم العربي إمتداد للمغرب، ولهذا من الخطأ ان نقتصر على موقعنا المطل على الاطلسي ونغفل باقي مقومات وأسس علم الجغرافيا السياسية.

إن الإمتداد والتوسع لا يكون فقط عن طريق السيوج والقدرة على السيطرة على البحار والمحيطات وطرق الملاحة، وإنما عبر باقي مقومات واسس الجغرافيا السياسية، من تاريخ ودين ولغة، ولأجل هذا فلا يجب إهمال الجاليات المغربية، بل يجب ربط علاقات قوية معها وربطها ببلدها الأم، عن طريق تأطيرها ومأسستها.

ومما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، وبعد أن انتهى من الشق الجغرافي، وانتقل إلى الجانب اللامادي فقال: “وهناك كذلك من يريد الانحراف بالجوانب القانونية، لخدمة أهداف سياسية ضيقة.
لهؤلاء أيضا نقول : إن الشراكات والالتزامات القانونية للمغرب، لن تكون أبدا على حساب وحدته الترابية، وسيادته الوطنية”(2)
فلهؤلاء نقول أنه شراكتنا وإلتزاماتنا لن تحملنا على التفريط في مقومات هذا البلد مقابل الإحتفاظ بجغرافيته، فهذه من تلك، وهي كتلة مجتمعة تولد عنها الروح المغربية والشخصية المغربية.

تنبيه الاستراتيجيين لهذه الأبعاد

وقد نبه بريجنسكي في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” إلى دور وأهمية الأمور اللامادية التي يشملها علم الجيوسياسية، وذلك بعد بيانه لأهمية الجغرافيا والسيطرة على المحيطات، فقال : ” كانت السبطرة الثقافية، ولا زالت إحدى سمات القوة العالمية الأمريكية التي لم تقدر حق قدرها، ومهما فكر المرء في القيم الجمالية، فإن الثقافة الشاملة في أمريكان تمارس إغراء مغناطيسيا، وخاصة بالنسبة لشبان العالم”(3).
فهذه الثقافة الأمريكية، والتي كان لها الكبير في تفوق الولايات المتحدة على الإتحاد السوفياتي، وكانت السبب الأول في انكماش هذه وتوسع تلك، قال عنها: “لم تقدر حق قدرها” فلم يترك لنا ما نقول ولا ما نعيد!!!
هذا نفسه هو ما عبر عنه “أود آرن وستاد” في كتابه “الحرب الباردة الكونية” بقوله:
“بالحس التاريخي، وخاصة بزاوية رؤية من الجنوب، كانت الحرب الباردة استمرارا للاستعمار، ولكن بأساليب ووسائل مختلفة قليلا. كعملية صراع، تركزت حول السيطرة والهيمنة، وخاصة من حيث الأيديولوجية. كانت أساليب القوتين العظمتين وحلفائهما المحليين قريبة الشبه بالأساليب التي عمل بها في الحقبة الأخيرة من الاستعمار الأوروبي: مشاريع اجتماعية واقتصادية عملاقة ووعود بالحداثة لمسانديهم”(4)

أما شمعون بيريز، فبعدما أيقن أن إسرائيل لا يمكنها السيطرة على المنطقة العربية والتوسع فيها بالقوة العسكرية، فقد رأى أنه يمكن التوسع بأبعاد الأخرى وهي الثقافة والعلم، فقرر أن: ” القوة الحقيقية، بل وحتى القوة العسكرية، لم تعد توجد في المعسكرات، بل في حرم الجامعة”(5)
وقال ” أما الآن وفي ظل لجوء العديدين إلى الأصولية نشهد حركة إسلامية تسعى إلى مناهضة الفتح والثقافة الغربية وتعمل على التراجع عن التحديث والعصرنة”(6).
فالتحديث والعصرنة وقبول الفتح الغربي والثقافة الغربية هو الذي يضمن لإسرائيل الأصولية استمرارها وأمنها وتوسعها، ويجعل لها اليد العليا في المنطقة بتكلفة قليلة.

استنتاج

إذا أراد المغرب التوجه نحو استغلال الجيوسياسية في قضاياه، ويكون رائدا في هذا المجال ومتفوقا فيه، فيجب العمل على إستغلال هذا العلم كاملا، من الجغرافيا التاريخ مرورا باللغة والدين والآداب وصولا للروح والشخصية المغربية، سواء في تحركاته الديبلوماسية أو في دراسة واستشراف تحركات الآخرين وأهدافهم وغاياتهم، حتى تكون الصورة واضحة متكاملة لا يشوبها شيء من أضرب التقصير أو مداخل الخلل والتشويه.

Loading...