الرد الإيراني…بين الحقيقة والمسرحية

المغربية المستقلة  : للكاتب أيوب نصر

بعد أن استهدفت إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق، جاء الرد الإيراني، يوم 14 أبريل 2024، بإرسال طائرات مسيرة وصواريخ بالستية، انطلقت من الأراضي الإيرانية نحو إسرائيل، وسميت هذه العملية ب”الوعد الصادق”.
ثم بعدها بأشهر، قامت إيران، ردا منها على اغتيال إسماعيل هنية على أرضها واغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، بقصف إسرائيل مرة ثانية، وحملت هذه العملية إسم “الوعد الصادق 2” وكان هذا الوعد الثاني أصدق من الأول، فقد استعملت فيه صواريخ أقل وكانت له نتائج أكبر.

وسواء في الوعد الأول أو الثاني، كان هناك عامل مشترك بينهما، وهو أن من الناس من رأى في الأمر أنه لا يزيد عن كونه مسرحية بين الطرفين، ليستعلن الاشكال القائل: الرد الإيراني على إسرائيل، هل هو حقيقة أم مسرحية؟

هل تقبل دولة أن تقصف على سبيل مسرحية؟

لن تجد دولة تحترم نفسها وتحترم شعبها، ستقبل أن تقصف أرضها ولو على سبيل المسرحية متفق على فصولها مسبقا، فضلا عن قوة إقليمية لها مكانها ودورها في المنطقة، أحببنا ذلك أو كرهناه، رضينا به أو أنكرهنا.

وإذا كان وضع إسرائيل الإقليمي ودورها في المنطقة يمنعانها من أن تقبل أن تقصف في إطار مسرحية ولعبة، فإن هناك عوامل أخرى تمنعها من قبول ذلك، ومن هذه العوامل أن إسرائيل دولة قائمة على هجرة اليهود إليها، وأي هجرة منها فإنه يهدد بزوالها، وأي ترويع لسكانها وتهديد حياتهم وجعلها على خطر، فإنه سيضطرهم إلى الهجرة منها، وهذا يهدد الأمن الوجودي لإسرائيل، وهي لن تقبل أن تسوء الأمور إلى هذا الحد.

كما أن أي قصف لإسرائيل، فإنه يحط من قيمتها ويزري بقدرها ويذهب بهيبتها، وهذا لن تقبله إسرائيل ولن ترض لنفسها أن تلعب هذا الدور في المسرحية، خاصة أنها تعمل عملها وتجد جهدها في الترويج لنفسها على انها القوة التي لا تقهر وصاحبة الجيش الذي لا يهزم، وهناك من الدول من تستمر في الوجود بسبب الهيبة التي اكتسبتها من معارك قديمة، فإذا سقطت عنها تلك الهيبة سقطت تلك الدول وفقدت كل تأثير لها في إقليمها، وأصبحت فريسة للأطماع، وسقوط هيبة إسرائيل هو مدعاة لزوالها ولزيادة أطماع أعدائها فيها وفي إزالتها، وما فعلته بغزة لم يكن إلا محاولة منها للحفاظ على الهيبة التي فقدتها بعد السابع من أكتوبر.

وقد يعترض على كل هذا بالقول: “إن إيران أعلمت الولاية المتحدة بأنها ستقصف إسرائيل”، وما يرد به هذا الإعتراض أن الولايات المتحدة هي اللاعب الأصيل في المنطقة والقوة الدولية الوحيدة المتحكم فيها، ولهذا فإن إعلامها وإخبارها هو مو البديهيات.

ماهي حقيقة الأمر إذن؟

إذا كان الحديث عن أن القصف الإيراني لإسرائيل لا يزيد عن كونه مسرحية مجرد وهم متوهم وخيال متخيل، وعبارة عن قول مرجوح ورأي مجروح، لا يعتد به ولا يملك أن يقوله من له أدنى معرفة بالأمور، فضلا عن المتصدرين للتحليل، إذا كان الأمر على هذا النحو، فإنه أيضا ليس على النحو من التهويل والتضخيم والمبالغة، الذي يعمد إليه الداعمون لإيران والواقفون خلفها، قصد التأثير في الرأي العام العربي، وزيادة مستوى استقطابه ودفعه نحو الحضن الإيراني.

فالقصف الإيراني لإسرائيل قصف حقيقي لا مسرحية كما يدعي البعض، ولكن في الوقت نفسه لا يزيد عن قواعد الإشتباك، فالرد لم يخرج عن القواعد الملتزم بها في استعمال القوة العسكرية، ولكنه جعل إيران تكسب نقاطا سياسية واستراتيجية، ولم يخرج عن المباديء المعمول بها، فلم تكن فيه تجاوزات لا إنسانية، فالرد كان بمثابة جرح سطحي.

كاتب مهتم بالشأن الأوراسي

Loading...