الالهام بمفهومه المسيحي : بقلم رجاء موليو

المغربية المستقلة  : بقلم رجاء موليو

لا يبتعد التعريف المسيحي كثيراً عن نظيره اليهودي في تعريف الإلهام بالقول: “إن الله الذي أظهر ذاته للإنسان لكي يخلصه ويشركه في حياته الإلهية، أراد أن يعرف جميع الناس تصميمه الخلاصي هذا، وأن يبلغ الوحي إلى جميعهم. لذلك اختار الله أشخاصاً خصهم بموهبة فائقة الطبيعة من الروح القدس، لكي يفهموا الوحي وينقلوه بأمانة، دون تحريف أو زيادة، بالكلام أو بالأعمال أو كتابة. فالإلهام إذا هو تلك الموهبة الروحقدسيّة التي تقوم بتوجيه النشاط الفكري العملي ليعبر عن الحقائق الإلهية التي أوحاها الله إلينا وأشركنا فيها تعبيراً صحيحاً كاملاً، بصورة مطابقة تماماً للوحي وبالأسلوب الأنسب والأكمل.
وعندهم الإلهام على ثلاثة أنواع:
1- الإلهام التاريخي أو العملي أو الرعائي: هو حث من الله لأشخاص معينين ليكونوا رعاة ساهرين على شعب الله ليوصلوه إلى الخلاص .فالذين قادوا الشعب وفقاً لإرادة الله، كانوا ملهمين كرعاة له.
2- الإلهام النبوي أو الرسولي: هو هبة نطق وكلمة ( نحن نؤمن بالروح القدس الناطق بالأنبياء والرسل).
فالذين حضوا الشعب على الأمانة للعهد والتمسك بتعاليم الله، كانوا ملهمين كمتكلمين باسم الله وبكلمته.
الإلهام الكتابي: هو هبة الكتابة وهو الخاص بالكتاب المقدس. فلكي يضمن الله صحة التعبير عن تلك الحقائق التي أوحى بها، خصّ الذين كتبوا أسفار الكتاب المقدس، بما فيها من كلام وأعمال، بنعمة الإلهام، فكانوا ملهمين ككتاب لكي يشركوا إخوتهم البشر في الحقيقة التي أشركهم الله فيها، فيعبروا بالكتابة تعبيراً صادقاً، صحيحاً وكاملاً عن حقيقية الوحي.
بعد هذا التعريف للإلهام من المنظور المسيحي، نعود لمقارنته بنظيره اليهودي، ونجده كما سبق ذكره وثيق الصلة بالنبوة، أي حالة اتصال بالإله للاطلاع على غيبٍ معين، بحيث يؤمر الملهم بتبليغه، وهم طبعا الأنبياء.
الإلهام لغير الأنبياء
إلى جانب الأنبياء نجد عندهم فئات أخرى من الناس كانت لديهم القدرة على معرفة إرادة الله وأوامره، وإطلاع الشعب عليها أو تبليغها لهم ويصدق على هذه الفئات أنها موحى لها من عند الرب أي أنها ملهمة. وعلى رأس هذه الفئات: الأنبياء الكذبة حيث يصفهم الكتاب المقدس بأنهم يدعون بأنهم مُرَسلون من عند الله، وأنهم مُرسَلون من عند الله فقط لامتحان الشعب، وأنهم مسوقون بالأرواح الشريرة، فيصفهم الكتاب المقدسْ بأنهم ينبئون من تلقاء أنفسهم: ” هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: لاَ تَسْمَعُوا لِكَلاَمِ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يتنبؤون لَكُمْ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَكُمْ بَاطِلاً. يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ.” وتوعدهم بقوله: “وَقُلْ لِلَّذِينَ هُمْ أَنْبِيَاءُ مِنْ تِلْقَاءِ ذَوَاتِهِمِ: اسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ. هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَيْلٌ لِلأَنْبِيَاءِ الْحَمْقَى الذَّاهِبِينَ وَرَاءَ رُوحِهِمْ وَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا”.

وكما نجد نفس الأمر عند الكهنة(، والكتبة(، والحاخامات.

الإلهام بمفهومه الإسلامي (عند أهل السنة)
معنى الإلهام
الإلهام في اللغة بمعنى: ما يلقى في الروع، وكذلك بمعنى: ما وقع في القلب من علم.
أما اصطلاحا: فهو أن يلقي الله في النفس أمرا يبعثه على الفعل أو الترك.
ومنه فالإلهام هو إلقاء الله تعالى لأمر في قلب الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾، فالوحي هنا بمعنى الإلهام. و كذلك الإلهام في بعض حالاته صورة من صور الوحي كما في قوله تعالى:﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾       والمراد بالوحي كما قال الإمام النووري      “الجمهور على أن الوحي هنا الإلهام و الرؤيا في المنام، و كلاهما يسمى وحيا.
ويمكن الفصل بين إلهام الرسل والإلهام عند باقي البشر، وهذا ما عبر عنه الشيخ القرضاوي أيضا بقوله: ” لا نزاع بين أحد من أهل الإسلام، في أن إلهام الأنبياء جزء من الوحي المعصوم”، وعنده الرؤيا وحي أيضا، واستدل بالآية الكريمة التي سبقت، أما الهام باقي الناس فليس بوحي.
موقف العلماء من الإلهام
وأما حجية الإلهام عند أهل العلم من المسلمين، فأغلبهم (بخلاف المتصوفة المتأخرون) يرون أن الإلهام ليس بحجة سواء في باب المعارف والاعتقادات أو في باب الأعمال والتعبدات، لا يجب العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح وتحت قيود.

وخلاصة الكلام في هذا الباب فقد وجدنا طرق وحي مختلفة بين هذه الديانات السماوية الثلاث؛ وكما أن انتهاء جيل الأنبياء الذين كانوا يتلقون تعاليم الرب عن طريق الوحي، سيظهر بعده الوحي و الإلهام مع جماعات الكهنة الذين تحل بهم روح القدس ويتكلمون بأمور إلهية وهم مع ذلك في كامل قواهم العقلية، و مع جماعات كتبة الأسفار المقدسة من غير الأنبياء مؤيدون بروح القدس أي ملهمون، ومع الحاخامات حكماء و معلمي الشريعة و أقوالهم التي هي أقوال الرب؛ وبخلاف هذا الأمر، وهذا معتقدنا نحن المسلمون، فإن آخر الوحي ما كان نزوله على نبي الله محمد بن عبد الله. وأن الإلهام لغير الأنبياء ليس بوحي ولا يلزم أو يزيد في الشريعة بشيء.

الاسم العائلي: موليو
الاسم الشخصي: رجاء
تكوين الدكتوراه: التراث الثقافي التاريخ والذاكرة والإنسان والمجال واستراتيجيات التنمية
جامعة ابن طفيل كلية الآداب والعلوم الانسانية القنيطرة
المستوى: طالبة دكتوراه
العنوان: حي الحبابي تجزئة الوفاء 36 فاس
البريد الالكتروني:
mouliourajae@gmail.com

Loading...