انذار من كارثة ستقع،وتدمر العالم

المغربية المستقلة  : بقلم حسن مقرز/ بروكسيل

نشر نجيب محفوظ روايته المسماة «ثرثرة فوق النيل» في العام 1966، وكانت الرواية بمثابة جرس إنذار، يُحذّر من كارثة ستقع، وقد عبرت «ثرثرات» أبطال الرواية، عن عمق الرداءة السائدة، وعزلة المثقف الملتزم، وفراره إلى الثرثرة الفارغة والغيبوبة، حتى أصبحت حياته مجرد نكتة سمجة بفضل التفاهة.
وفي عصرنا الحالي اسْتُغِلَّتْ مواقع السوشيال ميديا أبشع استغلال ليحكم فيها التافهون قبضتهم علينا وتنهار قيمنا أرضًا، فيصبح الأقزام أعلى شأنًا ومكانة، ويظهرون بمظهر العمالقة لا لشيء سوى لتفاهتهم، وهم كثر ويزدادون وبوتيرة هندسية، لتتحول هذه الوسائل من نصرة الثقافة إلى نصرة التفاهة.وحين يغيب العقل، ويغيب معه أصحاب الألباب والنهى، والرأي والمشورة والحكمة؛ يحضر أهل الزيف والنفاق والجهل والتضليل، وتُهيمن على المشهد عقلية الخوف من كل شيء، حتى من الشمع والشمس مصدرا النور والصبح. فالعلم نور والظلم ظلام ومن طبيعة النور تبديد الظلام. وانظر ما فعله سفهاء التاريخ بأممهم، وما أحلوا بها من محن ومصائب، وأدخلوها بغرورهم في حروب أكلت أخضرها ويابسها، وأزهقت أرواح شبابها، تحت شعارات الزيف والخداع، تارة باسم القومية، وتارة باسم الوطنية، ومرة باسم محاربة الامبريالية والهيمنة الغربية.
وسائل دخلت بيوتنا عنوة، ومن أبوابها الواسعة وبإحكام، فكانت سببًا رئيسيًّا لسيطرة التافهين على هذه الشبكات بتقديمهم لأعمال تافهة شكلًا ومضمونًا، أدت إلى نبذ القيم الاجتماعية وإلغائها، وتسطيح الثقافة والفكر، فحصلوا على المال وخسروا كل شيءٍ، ولا يهم المحتوى بقدر ما تهم الشهرة والنجومية؛ التي أصبحت من نصيب الأكثر تفاهة والأكثر فضائحية، فعلًا وانفعالًا وتفاعلًا، غايته الفضيحة واللامعنى لمحتويات فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع، فتجد الزوج يصور أسرته، وتجد الزوجة تصور روتينها اليومي مع إبراز فاضح لمفاتنها، وتجد الذكر يبرز مكياجه وطريقة لباسه، مع تغيير متعمد لتركيبة صوته الخشن، فمنهم من فضح نفسه بعدما ستره الله، وهناك من تمادى في إيذاء غيره من الناس. الكل يسجل حضوره في الواقع والافتراض ليشارك روتين حياته، أسراره وتفاهته أيضًا، فلا الأب صان أسرته، ولا الأم سترت نفسها، ناهيك عن الفضائح الجنسية، والعلاقات المحرمة، والزواج العرفي، والتشرميل وفضح الأسرار فيما بعد.
يقول الروائي الإسباني كارلوس زافون في روايته «ظل الريح»: «لن يُفنى العالم بسبب قنبلة نووية، كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة، والتي ستحول الواقع إلى نكتة سخيفة».
لقد آن الأوان لنكون يدًا واحدة في محاربة نظام الرداءة والتفاهة، وفي العمل الدؤوب للقضاء على الإسفاف والتتفيه والتسطيح في هذه المواقع، ومقاطعة مضامينها الفارغة والتافهة والمبتذلة، وإرساء مضامين هادفة وتوعوية وتثقيفية للحد منها.

Loading...