مشكلة التنمية في المجتمعات المغاربية والمشرقية، أزمة مؤسسات أم ازمة انسان؟

المغربية المستقلة  : عبد الله تخشي

عندما نتحدث عن التنمية ومشاكلها في مجتمعاتنا كثيرا ما نكون بصدد البحث والتساؤل المستمر حول الأسباب التخلف الذي تعيش فيه مجتمعاتنا في مختلف الجوانب والمظاهر الحياة اليومية للأفراد، في الصحة والتعليم والتكنولوجيات المتطورة وبراءات الاختراع والعلوم الخ، هو مشكل لايزال موضوع اهتمام المجتمعات والسياسيين والإعلاميين والأكاديميين وذوي الرأي في هذا الشأن وسائر الناس منذ فترات الاستقلال الي اليوم، وموضوع التنمية والتقدم والازدهار والحضارة لايزال مطروحا بقوة ويفرض نفسه في الوجود العام للأفراد في مجتمعاتنا ,كما أنه لم يكون له بعد أي أثار حقيقي في الوجود الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وحتى النفسي للفرد في تلك المجتمعات والدول.
كثيرا هي الإجراءات التي اتخذت والسياسات التي طبقت في كثير من الأقطار والدول وفي مستويات وجوانب عدة ولكن دون أن يحدث ذلك أي تغيير أو تحول إيجابي في المسار التنموي في مجتمعاتنا المغاربية والشرقية , فلا اشتراكية عبد الناصر خلصت مصر من التبعية الاقتصادية واستراد بعض المواد الأساسية من الخارج ,ولا الكتاب الأخضر للقذافي أن خلص ليبيا من النمط القبلي في التدبير السياسي والعيش اليومي وتحقيق مجتمعا منسجما ومتكتلا في صفوف موحدة في اطار دولة وطنية توحد كل الشرائح ,كما لم يكن للتعريب الطب في سوريا أن أعطى ثماره في خلق نموذج سوري وطني في الاقتصاد والتصنيع والاستهلاك يجانب العولمة السائرة في العالم كل ما حققه البعض هو الاستقلال العسكري والحكم الشمولي ,فالمؤشرات والتصنيفات الدولية المختلفة في عدد من المجالات تضع بلداننا في سلم الترتيب أوفي الوسط في أفضل الحالات ,في “النمو الاقتصادي ,التنمية المستدامة ,مكافحة التصحر البيئي ,التصنيع الخ.
كما يطرح أيضا السبيل والمنهج الذي يقودنا الى التنمية في مختلف مرتكزاتها، السياسية، الاقتصادية، الفكرية ,وبالقدر الذي كان فيه النقاش حول التنمية تبعه أيضا خلاف حول المنهجية والسبيل والطريق الذي يقودنا اليها ,وكان المتدخلين في هذا الشأن تحكمهم هواجس ومصالح وتوجهات أيديولوجية وفكرية ,وكل يرى الموضوع من زاوية نظره ودائرة أفكاره ومعارفه ومصالحه حيث البعض يرى أن التغيير يحتاج الى اصلاح مؤسساتي وتغير عوامل النقص بعوامل القوة والبعض الأخر يرى في الأمر كله علة وضرورة تغيير النظم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية القائمة وتعويضها بأخرى تحقق العدالة والمساواة وتنعدم فيها التراتبية والطبقية الخ ,المشكل في هذا الجانب يكمن في جعل الاختلاف بين هذه التيارات والفاعلين بمثابة خلاف تعطى له أهمية أكثر من الموضوع الجوهر “التنمية ” بحد ذاته مما يفسر غياب فسلفة التوافق والاجماع في تبير الاختلافات والتناقضات من أجل الحفاظ على السير العام للمؤسسات في مجتمعاتنا .

لذلك نرى أن الأزمة التنموية والحضارية التي توجد فيها مجتمعاتنا هي أزمة ترجع أسبابها بشكل رئيسي الى الفرد بما يحتويه من قيم وأفكار وسلوكيات ومعاني والتي تؤثر بشكل كبير على نمط سير المؤسسات والمواقع والبنيات والعلاقات التي يكونونها هؤلاء الأفراد داخل المجتمع «الأسرة، المدارس، مراكز القرار المختلفة، الجمعيات «
ولإصلاح المجتمع والمؤسسات التي تسهر على شؤونه يجب البدء بالأفراد باعتبارهم اللبنة الأولى التي يتشكل منها النظام العام لمختلف المؤسسات والهياكل عن طريق مراجعة وتعديل وإعادة النظر في بعض البرامج الإعلامية والثقافية والمقررات والمحتويات الدراسية وكذا منظومة القيم المعمول بها، وأيضا تشجيع البحث العلمي خاصة في ميادين الهوية والقيم والأفكار والعادات والتقاليد ,وهذ من أجل خلق جيل واعد من الأفراد مزود بمجموعة من القيم والأفكار والسلوكيات (الديموقراطية ,الأخلاق ,الأصالة الثقافية ,الانفتاح ,الوحدة الإنسانية ,العدالة ,الوطنية ..) التي تحكم علاقات الأفراد بذاتهم ثم ببعضهم البعض ثم بالمحيط من جل خلق وجود اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي مفيد في حياة الأفراد تسود فيه قيم ومبادئ تشجع على التقدم والنماء والازدهار في جميع المجالات ومن خلال المواقع والأدوار التي يشغلوها كل فرد في المجتمع والتي تستوجب منه ان يقوم بدوره على أكمل وجه تحترم فيه المعايير والشروط الأساسية التي تخص ذلك الدور في علاقاته بباقي الأدوار ومن أجل الحفاظ على تلك اللحمة والتماسك الاجتماعي ,كمثال على ذلك علاقات الطبيب بالمواطنين او علاقاته بالدولة وعلاقات السياسي بالمواطنين و علاقات الأستاذ بالتلاميذ الخ ,والتي يجب أن تحضر فيها الحقوق والوجبات وكل طرف من أطراف التعاقد يجب أن يلتزم بها ويمتثل لها .

Loading...