في انتظار التأثيث للوطن الذي نريد .. للشارع العربي رب يحميه

المغربية المستقلة  : بقلم بوشعيب حمراوي

غياب أدوار الأحزاب السياسية والنقابات

يقع هذا بكل الدول العربية الفقيرة منها والغنية .. قرارات انفرادية للنخب بعيدا انتظارات وتطلعات الشعوب. بدون أدنى استشارات ولا حتى دراسات علمية دقيقة وشفافات للواقع المعاش. برامج ومخططات ورؤى تنزل على الشعوب من أعلى قمم النفوذ. معظمها مستوردة أو منسوخة. لا تقيم وزنا لطبيعة ومستويات عيش تلك الشعوب، ولا حتى لمستوياتها الثقافية والعلمية وما تختزله من مبادئ وأعراف وطقوس دينية.
بشكل يومي تمطر سماء الشعوب العربية بالعرق والدماء والدموع التي تتبخر في كل فصول السنة. معاناة مستمرة رسخت عدم ثقة تلك الشعوب في أنظمتها وحكوماتها ومسؤولين بمختلف تموقعاتهم. كما انعدمت وتنعدم الثقة بين تلك الشعوب وممثليها المنتخبين بناء على انتخابات قل من يشارك فيها. وطبعا فقد فقدت كل الهيئات الحزبية والنقابية والحقوقية والجمعوية كل رابط لها مع المواطنات والمواطنين. وتحولت إلى دكاكين تملأ وتفرغ عند الطلب وفي المناسبات الموسمية الخاصة بالانتخابات بمختلف تمظهراتها المعيبة. والتي تسوق لديمقراطيات لا أصول ولا جذور لها.
في غياب تأطير حزبي ونقابي وحقوقي، لن نتفاجأ مما يصدر من تفاهات وتجاوزات عن بعض العرب المتضررين عند خروجهم للاحتجاج والتنديد، انحراف وتجاوز في التعبير عن غضبهم وسخطهم عن واقعهم المعاش. ما يقترفونه من أخطاء وضرب لبعض القوانين، لا يمكن وصفها بالأفعال الإجرامية المدبرة مسبقا بإصرار وترصد، ولا حتى جرائم يمكن تصنيفها في خانة جرائم الانتقام والقصاص الذاتي . بل هي ردود أفعال متسرعة قد يندم على ارتكابها الجناة في كل لحظة وحين مباشرة بعد تنفيذها.
قد يبادر الجائع إلى سرقة ما يطفئ نيران الجوع. وقد لا يتردد في القيام بأعمال تخريبية يمليها عليه عقله الذي يعاني من نقص في التغذية. وقد يؤدي مواطنا فقيرا وجائعا مثله دون أن ينتبه إلى جرمه..
كل ما في الأمر أن معظم ساسة اليوم لم يستوعبوا بعد دروسا من الربيع العربي الذي وإن أزاح بعض ما وصفوا بالمفسدين. فإنه لم يأتي بأي بديل منصف. لم ينتبهوا إلى الربيع العربي كان صيفا حارقا أشعلته القوى العالمية من أجل إعادة توزيع ثروات الشعوب العربية وامتصاص دماءها. لم يتعلموا الدروس والعبر من الاحتجاجات الفئوية الشعبية السلمية التي نظمت على مدى عقد من الزمن. والتي أعدت وأنجزت.. ولازالت تعد وتنجز بعيدا عن الاحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية… اختار رواد تلك الاحتجاجات أن تكون القيادة والريادة للمتضررين منهم، والمعنيين المباشرين بأهداف ومرامي كل الاحتجاجات. إلى درجة أن معظم الفئات المتضررة اختارت إحداث تنسيقيات أو حتى جمعيات لتمثيلها بعيدا عن الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الحقوقية.
يبدو أن معظمهم لم ينتبه الآن إلى أن الشارع العربي بات مكانا محصنا مؤثثا من طرف الشعوب، ولا يمكن لأي كان ولوجه من أجل العبث بداخله.
بل إن هؤلاء (ساسة أسواق النخاسة)، وإن كان بإمكانهم التواطؤ والتلاعب والنصب والاحتيال والتزوير و.. من أجل انتزاع بعض الكراسي و المناصب داخل السلطتين التنفيذية والتشريعية. بفرض من يريدون داخل الحكومة والبرلمان. فإنه لا يمكنهم بأي حال من الأحوال الضحك على ذقون المواطنين. وانتزاعهم مقاعد بالشارع العام. وهم يدركون أنهم يديرون دكاكينهم بلا منخرطين ولا كفاءات مستقلة.
وليعلم حتى هؤلاء المصنفون في خانة المعارضة الحكومية أن عليهم اجتياز مباريات كتابية وشفوية في الوطنية والأمانة والوفاء والكفاءة. إن هم أرادوا حمل مشعل المعارضة الأكيدة والصادقة، وخوض نضال الشارع المغربي.
للشارع العربي رب يحميه، ورواد تغذيه، وخطوط حمراء ترسمها دساتير البلدان العربية. وإن لم تكن تلك الدساتير تخدم الشعوب وجب تعديل فصولها أو تغييرها. فلا يمكن رهن الشارع العربي لكل من هب ودب. مستأجرين وخونة و انفصاليين ومجنسين يضعون (رجلا داخل بلدانهم ورجلا داخل البلدان التي منحتهم الجنسية). مستعدين للنهب والابتزاز والرحيل..

لا يمكن أن يكون الشارع العربي مسرحا لإبراز عضلات ورقصات من يسعون إلى الركوب على مآسي ومعاناة الشعوب من أجل ابتزاز الحكومات والدول. للشارع العربي أبواب ونوافذ علينا أن نحصها حتى يصعب اختراقها.نحرسها بالتأسيس لوحدة عربية وغير أكيدة وصادقة، وقدرة كبيرة على كشف هويات كل الدخلاء والمدسوسين.
فليعلم هؤلاء القادة ومن يدورون في أفلاكهم أنهم قد يكتسبون مهارات التفاوض والإقناع من أجل ولوج الأغلبية وانتزاع مقاليد الحكم. ومقاعد وكراسي المسؤولية داخل الحكومة ودواليبها. لكنهم لن يكتسبوا ثقة الشعوب إلا إذا عملوا بمنطق (الأولوية للمصلحة العامة). وأنهم في حالة إبعادهم عن الحكم، لن يفلحوا في تمثيل المعارضة. وكسب ثقة الشعب وقوته، إلا إذا أوقفوا الوعود والشعارات الكاذبة. فالإعلان عن الجنوح إلى المعارضة لن يكون كافيا لتسلمهم مفاتيح الشارع العربي. كما لن يقبل الشارع ركوبهم السياسي الممنهج باعتماد التنوع الديني والعرقي والقبلي و… فالشارع العربي مفتوح لكل العرب ومعهم الأمازيغ بعيدا عن أجندات الخصوم والأعداء.
لم يعد العرب يولون اهتماما لما يحكى ويشاع من طرف من يعتبرون أنفسهم معارضين. هؤلاء الذين اعتادوا النزول بالمظلات والمروحيات والظهور بمظاهر المنقذين والغيورين والداعمين لمطالب الشعب. يستغلون الأحداث والأزمات، ويظهرون الحب الزائف والمساندة الكيدية. يفرزون حقدهم الدفين و رغبتهم في زعزعة أمن واستقرار بلدانهم. أيادي وعقول مأجورة تدار بأجهزة التحكم عن بعد. همها تعطيل التنمية والدفع ببلدانهم نحو الفساد والكساد.
على من ألقي بهم في أحضان المعارضة، كما على من يرون في فكرهم ونضالهم ومطالبهم أن مكانهم الدائم هو المعارضة.. أن يدركوا أن التموقع في جناح المعارضة لا يعني احتلال الشارع والعبث بنظامه الداخلي الذي وضعه السكان الأصليين للشارع. وهم المواطنون والمواطنات.ولا يعني أن العرب سيكونون رهن إشارة كل من انتفض من فراشه المبلول، وقرر التسكع داخله حاملا ملصقات ولافتات تحوي كلاما وعبرا لا تخص إلا أصحابها.
على المبعدين من داخل الحكومات وقبل التفكير في النزول إلى الشارع، أن يؤثثوا لبرنامج نضالي بديل لبرامجهم الانتخابية السابقة. وأن تحظى برنامجهم بثقة الشارع العربي. كما يجب انتقاء الساسة بعيدا عن أسواق النخاسة. حتى تحظى بالحب والقبول. فلا يعقل أن يقود المحتجين سياسي أو نقابي أو حقوقي فاسد.
على الساسة العرب أن يدركوا جيدا قيمة و مكانة السلط التي تدبر شئون دولهم. بداية بسلطة الزعماء. ومرور بكل السلط والتي من المفروض أن تتوحد وتنسق، لكي تؤثث لمسار تنموي منصف لكل الفئات المجتمعية، ولتواكب القرارات والمبادرات الإيجابية. وعلى ممثلي السلط الرسمية الثلاثة الأولى (التنفيذية، التشريعية، القضائية)، التي تمثلها إتباعا الحكومة والبرلمان والقضاء بكل أجهزته. أن يدركوا أن روادها هم منتوج خاص وصرف للسلط الموازية الثلاث الأخرى. وأعني بها السلطة الرابعة (صاحبة الجلالة)، والخامسة (المجتمع المدني)، والسلة السادسة (رواد منصات التواصل الاجتماعية ). لدى فإن تنقية وتطهير السلط الثلاثة الأولى يفرض بالأساس تخليق وتقنين عمل السلط الثلاثة المتبقية. والسلطة السادسة هي أم تلك السلط ومحركها الأساسي. وفي ظل قصور الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الحقوقية، فإن السلط الثلاثة الموازية هي من باتت تقود الشارع . وعلى المقبلين على خوض معركة المعارضة الحكومية إثبات أحقيتهم وجدارتهم لهاته السلط. والتي بيدها جوازات المرور .

الوطن العربي الذي نريد

بات الكل يقر بأن مظاهر التدهور العربي والانحطاط في تنمية شعوبها، تعود بالأساس إلى فشل التربية التعليمية والوطنية والثقافية.. فشل أسدل ستائره على كل القطاعات العمومية والخاصة. الكل يمكنه الوقوف على ما يجري ويدور بخصوص واقع التربية بكل أشكالها التعليمية والوطنية والثقافية. وما أفرزته وتفرزه من كائنات سياسية ونقابية وجمعوية وحقوقية وفضولية،.. تزاحم الكفاءات والشرفاء. حيث الكل باتوا يفقهون في كل شيء. يفرضون آراءهم في تدبير كل المجالات.. حتى ولو كانت أفكارهم ورؤاهم تافهة أو تعارض القوانين المنظمة ودستور البلاد..
أدلة وقرائن ووقائع، توحي وكأن القيمين على قطاعي التربية والثقافة داخل الدول العربية يسبحون في بحور وأودية خارج تراب المغرب. لا أحد جاد في البحث والتنقيب من أجل توفير حلول وبدائل وتقديم النصائح اللازمة. في أفق بناء (الوطن العربي) الذي نريد. أو على الأقل تنمية كل بدل عربي على حدا.
فالعربي لن يقبل بتسميته (مواطن)، إلا إذا نال كل حقوقه التي يضمنها له دستور بلاده. وفي مقدمتها التربية والتعليم والثقافة والصحة وحرية الرأي.. والعربي لن يكون (مواطنا صالحا)، بوطنية وغير أكيدة على سمعة وشرف بلده الذي يحتضنه. إلا إن تجسدت له تلك الروح في من يحكمونه، في سكونه وترحاله. والوطنية لا تقف عند قيام المواطن بالواجبات التي يفرضها الدستور أو المهنة أو الوسط… ولكنها تتجاوزه إلى التضحية والقيام بالأعمال التطوعية والمبادرات الهادفة… ولتحقيقها لابد أن يكون للمواطن قائد وقدوة في قمة هرم المسؤولية.
لن نحصل على مسار تنمية صحيح ومجد، ما دمنا نحصر (قيم المواطنة) في الخضوع والخنوع والامتثال للنخب. ونحصر الوطن في البلد، ونقيس درجة المواطنة بمستوى الولاءات للحكام. لن نتقدم شبرا واحدا عن رفقائنا داخل عدة دول، العالقين منذ سنوات في وحل (الانتقال الديمقراطي)، والمصنفين منذ عقود ضمن ما يعرف ب(دول العالم الثالث) أو (الدول السائرة في النمو) .. ما دمنا لا نغذى أطفالنا وشبابنا بقيم المواطنة الحقة، التي تفرضها الإنسانية والطبيعة بكل تجلياتها. لن نرقى بتعليمنا وثقافتنا، في ظل ما يعرفه القطاعين من قصور وتجاوزات وثغرات.. وما دامت المبادرات والمخططات والمشاريع والرؤى الحكومية دخيلة ومستوردة، يسكنها الهاجس الأمني والرغبة في الهيمنة والاستمرار تحت وصاية (العم سام) و(الخالة فرنسا) و(الجدة تركيا) و(الصديقة روسيا) و(القريبة الصين)، ومن يدور في فلكها. حيث وهم الأمان وزيف التنمية.
لن نختزل (قيم المواطنة) في الامتثال لقوانين ومساطر لا تخدم الإنسانية برمتها. لأنه من العيب والعار أن نسمي سلوكات تخدم فئة بشرية، وتضر فئات أخرى، بقيم المواطنة. لأن هذه الأخيرة ببساطة تدخل ضمن قيم الإنسانية المطلقة والمفروض أن تضمن حقوق وواجبات كل إنسان بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو دينه..
إن المواطنة الحقة تقتضي أن يحظى أطفالنا وشبابنا بالتربية اللازمة في كل المجالات السلوكية والتعليمية والثقافية والصحية والرياضية و… وأن يكون هناك في قمة الهرم شرفاء يؤمنون بقدرة الأجيال على تسريع عمليات الانتقال بدون حاجة إلى دعم ملغم هم أصحابه ثرواتنا الطبيعية وتدمير طاقاتنا البشرية وإعادة الاحتلال.. هي إذن دعوة للإيمان والتحلي بروح الإصلاح لمفاهيم التربية قبل الانكباب على تنفيذ إصلاحات في معظمها غير جادة، تزيد الشعب إحباطا ويأسا وانحطاطا..
واهم من يظن أن التسويق الإعلامي للكذب والبهتان والتضليل، مع بروز كل حدث أو حادث عربي، هو مجرد سوء فهم أو نسخ أو عدم إدراك لما يجري ويدور. واهم من يربط أساليب الانتقاد والتحقير والتنقيص والاستخفاف والتسفيه التي يسلكها البعض ضد الإدارات والقوانين والمسؤوليات دون أدنى بحث أو تمحيص، بمستوى وعي هؤلاء ومدى رضاهم أو سخطهم على أوضاعهم المعيشية ، ودرجة الاحتقان التي رسخت لديهم ضد بعض المسؤولين والمنتخبين. واهم من ينكر الروابط المتينة المتجلية بين كل أطراف العفن الإعلامي والخبث السياسي، الذي يصاحب الأحداث ذات المطالب الاجتماعية. وخيوط العناكب التي تحاك بها عمليات الركوب على الأحداث الصغيرة والكبيرة، بهدف شغل تفكير واهتمام المغاربة وشحنهم بالغل والحقد وعدم الثقة بكل محيطهم. واهم من يرى في الكذب والتضليل وصناعة الأخبار الزائفة،أساليب للردع. وفي تحقير القوانين والمسؤوليات وتسفيهها، سبلا للإنصاف. واهم من يظن أن كل المسوقين لأشرطة فيديو الجنس والاغتصاب والفضائح، وخصوصا تلك الفئة التي تنفخ في الأحداث، بإعادة نشر تدوينات وصور و شرائط فيديو قديمة، تزيد من لهيبها، .. يسعون بالأساس إلى معاقبة الظالمين وإنصاف المظلومين. بل إنهم يلهثون من أجل التخطيط لعملية اغتصاب جماعية لهوية وثقافة الشعب المغربي وضرب أمنه واستقراره. وخصوصا تلك الفئة المستأجرة والنائمة في رخاء وسخاء خلف الحواسيب والهواتف الذكية، بفضل ما تتلقاه من نعم رواد العملات الأجنبية. مهمتها محاولة تجييش شعوب مواقع التواصل الاجتماعية، حيث الأطفال واليافعين أكثر ولوجا وتجاوبا. إن وراء كل هذا الغزو الإعلامي واللهط الأجنبي مهندسين وخبراء في علوم الفتن والهدم والخراب. يسعون وراء تفكيك الشعوب والترامي على ثرواتها، بتحريف أهدافها وفرض ولائها لهم. لا يترددون في ضرب أي جهة لا تواكب مصالحهم وأهدافهم. هؤلاء لا يعيرون اهتماما لما يعيشه العرب من معاناة، ولا ما تتعرض له فتاة من اغتصاب أو عنف، أو ما يلحق بطالب حق أو خدمة من إقصاء وتهميش وما..، بقدر اهتمامهم بأساليب توظيف تلك المعاناة وضحاياها، لتوسيع الفرقة بين أفراد الشعب الواحد، وبينه و بين من يتدبرون شؤونه. والظهور بعدها بمظاهر أبطال الوهم الأجنبي(السوبر، السبيدر، البات.. مان)، الذين بعثوا لنجدتهم وإنصافهم.
فقد أصبح من اللازم إعادة النظر في طرق التعامل مع الأحداث والوقائع، بحزم وعزم. من طرف كل الأجهزة والسلطات المعنية. بداية من أولى السلط (الحكومة)، وحتى السلطة الخامسة التي جمعت بين الفاعلين الجمعويين ونشطاء العوالم الافتراضية.. ومرورا بكل السلط (القضائية، التشريعية، الإعلامية). ومعالجة كل الأحداث وفق ما تقتضيه خصوصياتها وما تفرضه قوانين البلاد وثقافتها وهويتها. وبات من الواجب الضرب بمطرقة من حديد صلب على رأس الخونة والانفصاليين، وحماية العرب من فتنهم وإغواءاتهم. بات من الواجب السهر على تمكنين الشعوب العربية من الأخبار والمعلومات الكافية عن كل حدث أو حادث، لكي لا ينساقوا وراء مروجي الأكاذيب والمضللين. الذين يرغمونهم أو يستدرجونهم للتشبع بالكراهية والحقد. لم نعد ندرك ما نريده من المدارس والمساجد والسجون والمرافق الرياضية والثقافية والفنية والجمعوية، ولا من الدكاكين السياسية والنقابية والحقوقية. فبإدراكنا للأهداف الحقيقية لتلك المرافق العمومية والتنظيمات والتشكيلات والتلوينات المجتمعية، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو ترسيخ هوية وثقافة المغاربة الأحرار، ونكون قد رسمنا سبل التخلص من المجرمين والخونة والأشرار، وحماية العقل العربي من الانحراف والضياع. يجب التأثيث لنماذج تنموية جديدة، تقودها الكفاءات. إن واقع الحال يؤكد أن الشعوب هي من تغذي الفساد. وإن الفساد المستشري بكل القطاعات العمومية والخاصة، ليس سوى مظهر من مظاهر التخلف والتفكك التي تسكن الشعب، وتعيق نهضته. فلا بأس إذن أن تنتهك أمنا الأرض وتداس بأقدام قذرة وأجساد نتنة. وأن نبقى عرضة لكل أنواع الاغتصاب الثقافي والتعليمي والفكري والسياسي و..إلى أن تعي الشعوب العربية بضرورة حماية أراضيها وعرضها.. وأن يدرك أن العرض لا ينحصر في الزوجة والأولاد..ولا في الحسب والنسب.. بل في الوطنية الأكيدة والهوية العربية والأمازيغية وأمنا الأرض.

صناعة القائد تقتضي إنصاف القدوة

لكل مدينة وقرية داخل بلداننا العربية، رائدات ورواد، صنعوا أمجاد بلدتهم ووطنهم في كل المجالات الثقافية والرياضية والفنية والسياسية والاجتماعية والمهنية و.. . بصموا بمعادن نفيسة في سجلات تاريخ بلدهم ووطنهم العربي. جاهدوا وثابروا بغرائز الإنسانية الحقة والانتماء الفطري والسمو الأخلاقي، فتمكنوا من الانصهار في ما يفرضه الوطن، من غيرة وحب وتلاحم ، و إفراز مواطن عربي جمع بين التراث الأصيل والمستقبل المعاصر. بغض النظر عما ورثوه من اختلاف في الترابط القبلي والعرقي والديني .. نزفوا دموعا ودماءا وعرقا .. واستماتوا من أجل ترسيخ مكانة وسمعة الوطن العربي الذي نريد. ساهم كل من زاويته وتخصصه في النهضة والتنمية، والتطور في كل المجالات. استحق كل واحد منهم لقب القدوة والقائد. فلا يمكن لأي مجتمع أن يرقى ويتطور وينتج النجوم والكفاءات بدون إنصافهم. ليس بالتكريم المناسباتي والتذكير السطحي لأرشيفهم الثقيل والوزان. ولكن بمنحهم فرص تجسيد معنى القدوة والمساهمة في صنع القائد على أرض الواقع. وبفسح المجال أمامهم من أجل نقل وتوريث ما راكموه من معلومات وخبرات وتجارب للأجيال المتعاقبة. ومنحهم فرص لعب أدوار بارزة في التكوين والاستشارة والاقتراح.
لابد وأن نسلط الضوء على هؤلاء وأولئك الذين واظبوا من أجل إشعاع نور الأمل والتحدي والمثابرة. شخصيات تألقت في مجالات متعددة محليا ووطنيا ودوليا. برزت في كل مناحي الحياة.. يمكن لها أن توطد طرق ومسالك النموذج التنموي المرتقب. المفروض أن يحتذي بها الأطفال والشباب في كل مراحل تعليمهم وتكوينهم وإبداعهم…
بالحديث عن مآثر ومعالم و رموز الوطن..والتدقيق في قصصهم عن المثابرة والتحدي والكفاح والنجاح والفشل والتميز والصمود والمثابرة… يمكن إنتاج البديل، ورسم السبيل وتحقيق كل هدف نبيل…
لا يعقل أن تطوى صفحات مجيدة لشخصيات كان من المفروض أن تكون سيرتها الذاتية والمهنية، دروسا وعبر. ومواضيع لنصوص تدرس بكل اللغات الحية، بالمدارس والثانويات والجامعات. ولا يعقل أن تكون العزلة والإهمال من نصيب نجوم وكفاءات بصمت بكل جوارحها إلى أن استنزفت وذبلت. كما لا يعقل أن يتم حرمان الأطفال والشباب من لقاء شخصيات بإمكانها تقوية مؤهلاتهم وصقل هواياتهم وتحفيزهم على الصمود والمثابرة.
ما الفائدة من فرض كتب وبرامج تعليمية وثقافية، تحكي عن إبداعات وثقافات وفنون ونجومية الأجانب، دون الحديث بالموازاة عما أفرزه العقل والجسم المغربي، وعن مراحل المقاومة التي عاشها هؤلاء في ظروف قاهرة، وتمكنوا من التغلب على العوائق وكل الصعوبات والتفوق والتميز وطنيا ودوليا؟.
ما الفائدة من بناء ملاعب رياضية ومركبات ثقافية وفنية ومسارح وغيرها من البنايات.. التي ترصد لها أغلفة مالية طائلة من ميزانيات المدن والقرى، إن كانت تحضن الغرباء والأجانب في التعليم والتعلم والممارسة. وتجعل من سكان المدينة والقرية (أصحاب المال العمومي) مجرد جمهور. يتابع ما ينظم داخلها من أنشطة ؟ .. ويمتهن السكان ثقافة التصفيق والهتاف والتحسر على إنجازات تنجز بطاقات وكفاءات دخيلة. ما الفائدة من إحداث أندية رياضية محلية، لا تغذي فرقها من الشباب المحلي . ولا تبني مدارس لتكوين الأطفال؟.
ولماذا لا يتم الاعتماد على النجوم السابقين في التكوين والاستشارة والتحفيز.. والاستفادة من مؤهلاتهم وخبراتهم الطويلة والمنتجة ؟. ليدرك الطفل والشاب الممارس لأي نشاط ثقافي، فني، رياضي.. أنه بإمكانه التألق والاحتراف والتنافس الوطني والعالمي.. كما تألق واحترف وسطع نجم سابقيه من أبناء الحي والدرب والدوار.. الذي يعيش وسطه ؟ ..
وباء التجاهل والتناسي والتهميش. لا يشمل النجوم والأبطال العرب فقط.. بل يطال حتى العلماء والفقهاء والسياسيين والحقوقيين وغيرهم.. ممن كان بالإمكان أن يؤثثوا لمنابت ومشاتل، تمكن الوطن العربي من كفاءات وقيادات في مستوى الريادة المتوخاة.
لن أكشف عن أسماء ولا عن صفات لتلك الشخصيات … لأن الوطن العربي عج ويعج بها. ولكنني سأزيد من طرح الأسئلة، التي تبرز مدى استفحال وتشفي الوباء القاتل للقدوة.. وأستفسر زعماء الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية و.. عن مآل من سبقوهم في الزعامة والقيادة.. ولماذا لا يتم الانتفاع منهم، بإحداث مجالس مركزية خاصة بهم. مهمتها تقديم الاقتراحات والنصائح والاستشارات… ولماذا لا يتم التأريخ لفترات عملهم في كتب ومجلدات تكون رهن إشارة الأطفال واليافعين والشباب. وفرض الاستفادة منهم، بتنظيم لقاءات تواصلية معهم، أو التعريف بمساراتهم ودراستها وتحليلها واستنباط الإيجابيات والسلبيات منها.
لماذا ينهي الرياضي داخل بلده العربي مشواره، بالإشراف على مقهى أو ضيعة أو الانزواء والاكتفاء بمداخيل قارة قد تأتي على شكل هبات أو منح. عوض دعمه من أجل الاشتغال بما هو خبير فيه. وجعله يستثمر في تخصصه الرياضي.. ؟؟.. لماذا لا يصبح اللاعب أو الحارس مدربا أو معلما أو مستشارا أو خبيرا في مجال تخصصه؟.. أو يتم دعمه وتسيير إحداثه لمدرسة أو نادي أو أي مقاولة رياضية. لماذا تأفل نجومية السياسي والنقابي والحقوقي بمجرد نزوله من كرسي المسؤولية. فيختفي فجأة عن الأنظار.. ويصبح بالكاد قادر على إضاءة زنزانة نومه بشمعة. تنافسه في البكاء والانقراض.. وتعجل من رحيله مثواه الأخير؟.. لماذا يلهث بعض السياسيون وراء نجوم الفن والرياضة من أجل استدراجهم للحضور والمشاركة في لقاءاتهم التواصلية، من أجل تلميع صورهم، واستقطاب الناخبين، عوض فرض حضورهم وتواجدهم بالعمل السياسي الجاد والمقنن ؟. إن ما يعيشه هؤلاء من عزلة وتهميش، يجعل الأجيال المتعاقبة، ترفض خوض نفس غمارهم، خوفا من أن تلقى نفس المسار الأسود. ويجعلها تتفادى المقاومة والصمود، والاكتفاء برسم مسارات خيالية، والسير وراء الأوهام. لتكتشف في النهاية أنها كانت تطارد السراب. لتعود وتشق طرق أخرى، غالبا ما تتعثر في منتصفها أو تزيح وتنحرف عنها، فتهلك وتبدر معها عقودا من الزمن. فحتى الأعياد والذكريات الوطنية تحولت لدى التلاميذ والطلبة والموظفين والعمال.. إلى مجرد مناسبات للاستفادة من أيام عطل. والتخلص من أعباء الشغل والتعليم والتكوين.. وتم إفراغها من كل الأهداف والمرامي التي أحدثت من أجلها. والمتمثلة في الحفاظ على الهوية العربية والتماسك الوطني وتقوية وترسيخ الوطنية. وهو ما ساهم في التفكك الأسري والقبائلي. وإفراز أجيال معادية للتاريخ، لا تهتم بماضيها ولا تؤرخ لحاضرها ولا تخطط لمستقبلها.. وإذا لتكوين والتحفيز… فهل سينتبه رواد الإصلاح في بلادنا، إلى ضرورة تشكيل لجنة وطنية، مهمتها جرد وتصنيف النجوم والأبطال والمبدعين وكل الشخصيات التي أثثت بتميز في مجالاتها، خلال فترات من تاريخ بلدانهم العربية. وإلى ضرورة إنصافهم أولا. ووضع برامج ومخططات للانتفاع من تجاربهم وخبراتهم ثانيا ؟… فإنه لا يمكن صناعة القائد الرائد بدون الاعتماد على القدوة.

Loading...