المغربية المستقلة : حدو شعيب
حينما تقدم رحلة غلاء الأسعار إشارات إجتماعية ذات مدلول سياسي في بلد يروج حركته السياسية بين تنزيلات مفاهيم النموذج التنموي في ظرفية إقتصادية ومالية دولية حادة فرضت تعميق القبضة الاستكبارية وصراعات دولية معقدة، ناعمة أحيانا وعنيفة أخرى، واضعفت الدولة والكيانات الإجتماعية في المجتمعات النامية بين يدي وباء عام سمي بكرونا، فينبغي ان ندرك جميعا أن مواقع قواعد الإشتباك مع الفساد والإستبداد واحتكار مصادر الثروة وعوامل إنتاجها ليست هي المواقع نفسها قبل ما سمي بالربيع العربي. وسيكون من التخلف الكبير التفكير اليوم من خلالها، ذلك أن الخطأ في تقدير المضمون السياسي والتاريخي والانتقالي لمرحلة ما سمي بالربيع العربي ومقدماتها دخول القوى الحية في متاهة الجغرافيا السياسية المحكومة بالتنافر بين تضاريسها.
وعليه، فإن تكرار نفس المنطق والتقدير للمرحلة الحالية سيؤدي حتما إلى نهاية القوى التقليدية في الحياة السياسية والاجتماعية في وقت لم يتمكن الجميع من بناء القوة المجتمعية القادرة وحدها على خوض معارك الوجود المستقبلي وحماية المجتمع والدولة من الانهيارات الكبرى.
فالواقع الاتصالي والتواصلي في عالمنا اليوَم تقوده تكنولوجيا التواصل مكن القوى الكبرى من اختراقات جوهرية لبنيات المجتمع والدولة والتفكير، وهو ما يعمق واقع الضعف ويهدد بتعميق التمزق جغرافيا وسياسيا نظرا لحجم التفتت المجتمعي وضعف اللحمة الاجتماعية.
فحينما نقوم اليوم باولوية المدخل الاجتماعي وفق رؤية سياسية جامعة، فلإننا ندرك ان الانهيار الكبير َمهدد للجميع، لذلك سيكون الاصرار على التدبير الاحادي وفق منطق سياسي استبدادي. اصرار على القراءة الخاطئة للحظة الضعف العام التي ستحجب عوامل النهوض الحقيقية والتنمية الشاملة.
ان الرحلة العميقة لغلاء الأسعار ليست إلا المؤشر الواضح على تغول نظريات النيولبرالية وعلى القراءة الخاطئة للضعف المجتمعي لأصحابها، وهو نوع من العمى الذي يصحب حركة الغلاء الفاحش في مقابل تعمق الحرمان الإجتماعي الذي لا تداويه مسكنات بقايا وحشية المص الرهيب لشرايين الحياة الإنسانية على أرض خيرات ينبغي أن تكون ثمراتها عائدة على الجميع وفق روح تنافسية شريفة مبنية على قواعد العدل الشامل.
