المغربية المستقلة : جمال أكاديري كاتب رأي و باحث
▪︎ من منا لم ير يوما شبان على شكل مجموعات يقومون بالنزول إلى وسط المدينة مجتاحين شبكة طرقها الداخلية عبر الحافلات المهترئة و يكسرون كل شيء في طريقهم
إنها صورة متواترة اعتدنا رؤيتها على هامش احداث الواقع المدقع الذي يكبل حواضر مدن المغرب الكبرى
لكن و حتى لانخدع أنفسنا فهناك كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يجذبهم الفضول لمتابعة مسلسل العنف اليومي من هذا الصنف بالصورة والصوت والإقبال عليه بثمن فرجة حيادية لن تكلفهم شيئا وستخلع عنهم رداء المسؤولية ماداموا بعيدين عن بؤرة هذه الأحداث العنيفة و بالرغم ثمة سؤال عالق :
لماذا يمارس العنف المجاني مثل هذا الانذهال والافتتان على الجموع ؟ هل يمكن أن ندخله في خانة اضطراب نفسي جماعي يعيشه رواد التطبيقات الافتراضية؟.
الغريب أن في بعض أطاريح السوسيولوجيا تجد لديهم تفسير مساير لهذه الحالات كأنهم يقدمونه بمثابة عذر يزكي الإشكال عوض إيجاد حل له !!
فلقد قيل دوما لنا أن الفقر والاستبعاد والاقصاء الاجتماعي أو الطبقي وتفكك وتصدع الوحدة الأسرية واليأس والاحباط النفسي والانفجار الديمغرافي الفوضوي الرازح بثقله على هامش أحزمة المدن الكبرى و الانحراف عن النظام العام في الطرق والميادين العامة كلها تبقى عوامل فتاكة تولد رغبة الإنتقام من المجتمع وهدم قيمه إن لم تتحول إلى عنف إرتدادي ضد الذات في أقصى الحالات الميؤوس منها.
فهل هذا التفسير يحتوي على بعض الحقيقة، وهل يمكن أن يبرر كل هذه الأعراض والانفلاتات الانتقامية ؟.
بالاضافة ووفقا لهذا الطرح ، فكأن العنف المجاني أصبح في نظرهم طريقة جديدة لتعديل التوازن الاجتماعي و تأرجحاته أو قل متنفسا لإحتقاناته الداخلية .
فبعض العدميين سيقولون إذا كان هذا هو الحال فمن الاحسن تجاهله و وحشره في إطار الفرجة والسخرية من مجتمع لاشيء يرجى منه !.
أما شعارات الاحترام والتسامح و حوار التعايش تلك القيم التأسيسية لشعب ودولة متحضرة ستتحول الى قيم غريبة ومنبوذة في عديد من المناطق ال “حساسة” من خريطة بلدنا والتي مازالت في عرف البورجوازية الوطنية تصنف كأنها غيتوهات محلية لتخريج الحثالة و الهمجية.
هذا سيفتح الطريق وكذلك أمام تصرفات وليدة الدفاع الذاتي لحماية الممتلكات الخاصة بعيدا عن إجراءات اللجوء لتدخل أمن الدولة التي هي بطبيعة القانون الوحيدة الحائزة على صلاحية احتكار العنف الشرعي ضد الإجرام .
فلتشجيع الدفاع عن النفس سيسمح ربما يوما ما بإدخال منتوجات تأمينية من مثل قنينات لاكروموجين أو العصي الكهربائية وبيعها على أساس لكل من له الصلاحية لاستخدامها للردع
مع ان القانون يمنعها منعا باتا
فمن هذا الذي سيتسامح و يقبل عرفا سلوكات الغوغاء عند استعمال مايسمى بيد الشرع لردع الجريمة في عين المكان قصدا منهم تحقيق العدالة السماوية فورا ولقد شاهدنا هذا كذا مرة في أسواق البوادي ضد اللصوص ؟
أو من هذا الذي سيقبل و سيزكي سلوكا غريبا من نوع منح المكافآت السخية لإحترافيين في الإجرام لإعانة شخص على الانتقام ….هذا الجنون بعينه.مع أن هذا المثال السيئ موجود حاليا وكذا مرة سمعنا به في نوازل إجرامية تم ضبطها.
فإذن لا أحد يحتكم مبدئيا لشرعية القانون الوضعي المدني وينضبط لمقتضياته سيقبل بمثل هذه التصرفات التي تخرج عن دائرة التعاقد الأمني و تهدد بتفجير سلم و توازن علاقات المجتمع من الداخل.
ثم ارتباطا بمتلازمة العنف الاجتماعي و تصاعد وتيرة الإجرام وكيفية التعاطي معها سنجيب مبدئيا على سؤال صار هاجس النقاش العمومي حاليا .
سؤال لم يكن مطروحا من قبل بهذه الحدة على الرأي المغربي
السؤال على هذه الشاكلة : هل يجوز إطلاق الرصاص على من يهدد الأمن العام حاملا سلاحا ما ويشكل خطورة على حياة الأفراد المسالمين !
جوابنا المؤقت سيأتي على شكل مصفوفة من الملاحظات الجانبية و كالتالي :
1 – لا يمكن اطلاق النار إذا فر المشتبه فيه على الأكثر ما يمكن السماح به في الدول المتقدمة قانونيا هو طلقة تحذيرية لاغير لتافدي زهق الارواح عبثا
2- فتأطير استخدام السلاح وجعل له ظوابط هو من المقترحات الأكثر إلحاحا – مثلا في فرنسا (ولقد تابعت نقاشات عدة في القنوات بخصوص هذا ) حتى لا تكون هناك حالات فيها شطط وفلتان بدون وجه حق
3- الإشكال المطروح هو كيف يمكن تخمين سيناريوهات لتدخل الشرطة في ظروف تستدعي فعلا استخدام قوة السلاح و مع العلم أن هناك تعقيدات عويصة في نوازل إجرامية هي بالتحديد الأكثر إشكالا و غير متوقعة في حسابات الشرطة وتتطلب خبرة وسرعة البديهة في علاجها في عين المكان
وأخيرا القضية ليست بتلك السهولة من الوجهة القانونية خاصة وأن شرعية استعمال السلاح الناري معطاة لجهة واحدة المفترض فيها إيجاد حلول عادلة ووقائية وليست إنتقامية . حلول احترافية تكون في صالح حتى الذين نعتبرهم مجرمين يعيشون بيننا ونريد في الأغلب حمايتهم من شر أنفسهم أكثر مما نريد ضررهم لماذا ؟
لأن الأساس و الأولوية هو للعدل الإنساني وليس للقتل لفقط التخلص من مصدر الشر وهذا هو قمة ما وصلته الحضارة البشرية في التعامل مع ملابسات الجريمة كيفما كانت وحشيتها وظروفها وتعقيداتها أي مواجهة مصادر الشر عموما.
