المغربية المستقلة : أيوب نصر/كاتب مغربي, باحث في العقائد و المدارس الفكرية، والاستشراق.
كتبت، عبر أيام شهر فبراير الماضي، بعض الكتابات حول الأحداث الروسية الأوكرانية، بث فيها ما ظهر لي من آراء وفق ما استجد من الأحداث، وكانت مجمل كتاباتي عبارة عن مقالين وبعض التدوينات، فأما المقالان فسميت الأول ” نظرة جديدة في الأزمة الروسية الأوكرانية”، وأما الثاني فوسمته ب”بوتين يكشف الغرب أمام أوكرانيا”، وقد تم نشرهما في صحيفة “المغربية المستقلة”، وأما التدوينات وضعتهم على صفحتي الشخصية في الفيس بوك.
ولم أكد أنهي ما بدأته، حتى شن علي هجوم من بعض الناس، ظنا منهم أنني متحيز للدب الروسي، وهم في الأصل لا يفرقون بين قراءة الأحداث وتحليلها، وبين التحيز لأحد أطرافها، وقد ذهبت أتتبع هذا الكره الصادر منهم نحو الروس، وأستقصي أخباره، لعلي أربطه بأسبابه وأعلقه بعلته، فانتهيت إلى نتيجة واحدة، وهي أنهم يدعمون الغرب ويرجون خسارة الروس، لما يفعله الروس في سوريا، وقصفه للمدنيين بها،وأنا الآن أنشيء هذه المقالة، ليس للذب عن نفسي ودفع عنها ما رميت به، وإنما لمناقشة موقفهم والنظر في أسبابه.
في سنة 2011، حين انطلقت تلك الشرارة الأولى لما سموه ربيعا عربيا، وخرج الناس للشوارع وتجمعوا في الميادين، و تقدم الغوغاء والمهرجون، يحرضون الناس على الخروج ويزينون لهم الثورة، ألم يعلموا أن السلطة الزمنية لن تسلم لهم ولن تتنازل؟؟ بلا لقد علموا، ولكن الشيطان زين لهم أفعالهم فكتموا، وبقوا في غيهم سائرين وعلى ضلالهم ذاهبين، فكان ما حذرنا منه من إرتفاع المطالب وتشبت السلطة الزمنية، فهاج العالم العربي و اضطرب بمن فيه، فشردت العائلات يتم الأطفال وسالت الدماء وأزهقت الأرواح.
حين كنا نحذرهم من هذه الأمور، ونقول لهم: إن ما تفعلونه و تدعون إليه لن يقدم لنا إلا سفك الدماء وازهاق الأرواح، كان ردهم كالتالي: “لابد من هذه الأمور حتى يتسنى للأجيال القادمة الحياة في رغد من العيش”، فلم التباكي اليوم على تلك الأرواح التي قدمت لتعيش الأجيال القادمة في رغد من العيش؟؟
ومما احتار له لبي وطاش له عقلي، هو كيف يتمنون هزيمة الروس وفوز الغرب، والغرب نفسه قتل المسلمين في العراق وأفغانستان وليبيا والسودان، بل إنه قتلهم في سوريا أيضا؟؟ وهذا التناقض في المواقف، لم أفاجيء له، وذلك أنني أعلم جيدا ما تفعله الصناعة الإعلامية بعقول الناس، وكيف تبني آرائهم في غفلة منهم.
ودعني، يا صاحبي، أتوسع معك في الكلام حول هذه الصناعة الإعلامية، و الدور الذي لعبته في كسب تعاطف الناس مع الغرب، عبر سنوات طويلة وعقود متطاولة، حتى يكون القاريء على بينة منها، فيتخذ ما يمكنه ويقدر عليه من أسباب النجاة منها، وحتى يحيى من حي على بينة ويهلك من هلك على بينة.
كان المستشرقون الحجر الأساس لهذه الصناعة منذ القدم، حين بدؤوا يعملون عملهم ويجدون جهدهم في تكوين أصحاب البعثات الطلابية التي إتجهت نحو أوروبة في عهد محمد علي، واللعب على أفكارهم والاستلاء على عقولهم، حتى إذا ما عادوا إلى بلدانهم كانوا عقلا يمشي بين الناس يروج للمدنية الغربية المزيفة المتوحشة ويزينها في قلوبهم، في شيء من المكر وضرب من الخداع، ويدعوهم إليها في كتاباته ومقالاته في نوع من التدليس والتشبيه، فيحدث بعد ذلك عند الناس هذا الإنخداع بهذه المدنية المتوحشة الزائفة، فيقبلها بتمامها ويأخذها بكل ما فيها، من غير تحر أو ميل للنقد.
ثم أتى على الناس حين من الزمن، انتهت الحرب العالمية الأولى والثانية، ودخل بعدهما العالم في أجواء الحرب الباردة، بين المعسكرين الغربي والشرقي، وقد كان لهذه الحرب الباردة ثلاثة ميادين، جرت فيهما المعارك، فأما الميدان الأول فكان ميدان الاستخبارات والجواسيس، وأما الثاني فدار حول السباق نحو التسلح، وأما الميدان الثالث فكان حول القدرة على التوسع، وكسب أماكن استراتيجية تجعل من كل معسكر قادر على مضايقة الآخر وحصاره وبسط سلطانه عليه، وكان الميدان الثالث هو أهم الميادين الثلاث، وكان أهم أسلحته هو الصناعة الإعلامية، وقد امتلك المعسكر الغربي أسباب هذا السلاح وتمكنوا منه، فأظهروا به للناس حرية الغرب ورغد العيش فيه، فشخصت الأبصار نحو المعسكر الغربي، ودفعت الشعوب الموالية للمعسكر الشرقي إلى الضغط على حكومتها لتغيير الولاء، وكان هذا أهم أسباب سقوط الإتحاد السوفياتي، وقد توسعت في بيان هذا في مقالي “نظرة جديدة في الأزمة الروسية الأوكرانية”، فارجع له إن شئت.
ليستمر التفوق الغربي في الصناعة الإعلامية، إلى يوم الناس هذا، وإلا ما كان لامني بعض أصحابي، ولما رأينا العديد من الناس والكتاب، يميلون ميلهم إلى الغرب ويتمنون انتصاره على الروس، والروس أنفسهم لم يعملوا على تطوير الصناعة الإعلامية، وإن كان هناك تقدم فهو ضعيف، لا يصل إلى مستوى الصناعة الإعلامية الغربية.
وقبل أيام، على بداية الحرب، أجرت إحدى القنوات التلفزية حوارا مع الناس في شوارع أوكرانيا، حول: أي الفريقين يفضلون؟؟ فذهب كبار السن إلى تفضيل الروس، وأما الشباب فتمسكوا بالغرب، وهذا يزيد من بيان القوة الإعلامية الغربية، وذلك أن كبار السن فضلوا الروس عن علم، فهم عاشوا الفترتين وميزوا الفوارق بينهما، مما يدل على أن ما صورته السينما الأمريكية، بعيد كل البعد عن الواقع، وأما الشبان، فمقارنتهم لا وزن لها ماداموا لم يعيشوا الفترتين معا.
والأدهى والأمر، مما يدل على خبث المدنية الغربية، وقلة حياء أصحابها، وصفاقة وجوههم، وخلعهم ربقة العذار، إن ما فعل مع الثقافة العربية الإسلامية عن طريق المستشرقين، والطابور الخامس التابع لهم، من محق الثقافة العربية ومحاولة قهر عقول أصحابها والطعن في أربابها وتكذيب سننها والحط من مناهجها، إن ما حدث ويحدث من هذه الأمور مع الثقافة العربية الإسلامية، حدث ويحدث الآن مع الروس وثقافتهم وآدابهم، حتى يعلم كل من أوتي عقلا أن من أسباب إسقاط الأمم وإضعافها، الطعن في تاريخها والولوغ في ثقافتها، حتى إذا ما أرادت النهوض من جديد، وجدت حولها السبل متفرقة والأسباب متقطعة.
هذا، ولم يبقى لي إلا قول الأديب الكبير وكاتب الإسلام الشهير مصطفى صادق الرافعي، حين قال: ” ونحن إنما نروي قصة هي في الدنيا؛ ليس فيها كلمة من المريخ ولا من زحل؛ فأما الصالح فيرى ويفهم، ولعله يصون بها نفسه؛ أما الفاسد فيرى ويعتبر ولعله يردّ بها نفسه “.
