كتاب الرأي : أما آن للعرب أن يعاملونا بالمثل

المغربية المستقلة  : ايوب نصر/  كاتب مغربي، باحث في العقائد، والمدارس الفكرية، والاستشراق

كتبت على صفحتي في الفيسبوك، قبل أيام، تدوينة، ثم عدت إلى نفسي وأمعنت النظر في الوضع عموما، فسارعت إلى حذف تلك التدوينة، إقرارا مني بخطئ رأيي، ثم ظهر لي رأي آخر، وهو أن أكتب مقالا أرد فيه على خطئي فيما ذهبت إليه في التدوينة، ونص التدوينة يقول: ” الذي أعتقده أنه، بعد أحداث 25 يونيو، كان على المغرب أن يرسل شخصا آخر إلى تونس غير وزير الخارجية، ومن الأحسن لو كان ذو خلفية استخباراتية أو أمنية”.
والذي حملني على كتابتها، موقف الدولة التونسية، حين امتنعت عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن الدولي بشأن تمديد عمل بعثة المينورسو لمدة سنة إضافية، ثم حصول تقارب بين تونس والجزائر.
أما الذي جعلني أرجع إلى نفسي، وأتهم رأيي، هو أن الذاكرة ملكة مستبدة، تنسيك الأحداث طورا، وتجعلها تحضر حينا، فكان مما زار ذاكرتي، هو ما كان في تونس قبل 25 يونيو، حين دعى الغنوشي إلى إقامة إتحاد مغاربي مكون من ثلاث دول، وهي الجزائر وتونس وليبيا، فخرج بعدها الرئيس التونسي بخطاب ينكر فيه قول الغنوشي، و يقف فيه موقفا إيجابيا، غير متحيز لدولة، من دول الإتحاد المغاربي، على حساب أخرى، ومصرحا أنه لا يمكن أن يقام إتحاد مغاربي إلا بوجود الدول الخمسة.
والمملكة المغربية دول عريقة في السياسة، راكمت عبر قرون طويلة متطاولة، من التجارب السياسية، وصراعات الأروقة الديبلوماسية، ما يجعلها تراعي مصالح الدول العربية في مواقفها، ولا تسارع إلى إتخاذ مواقف معادية، حتى يتبين لها الخيط الأبيض من الأسود من الليل، ورغم أن قضية الصحراء المغربية، قضية مصيرية عند المملكة المغربية، إلا أن موقفها من تونس كان مخالفا لموقفها من دول الإتحاد الأوروبي، وهي في كل ذلك لم تنظر فقط إلى مصلحتها الخاصة، بل قدرت مصلحة الدولة التونسية، كما قدرت من قبل مصالح دول عربية شقيقة، وخاصة أن امتناع تونس عن التصويت لم يكن ليقدم أو يؤخر، وإنما هو تحصيل حاصل.
وإلى الأمس قريب، كان المغرب يعاني من هذا الأمر مع مجموعة من الدول العربية والإسلامية، والتي لم تكن تعذره في مواقفه، فتذهب في محاربته كل مذهب، وتعمل التشنيع عليه في كل محفل، رغم أن مواقفه من خصومها، وحفاظه على علاقته معهم، لم تكن يوما على حساب مصالحها، ولو أنهم أدركوا آنذاك هذا الجانب من اللعبة السياسية، لكانوا وفروا علينا سنوات من الفرقة والشقاق، الذي لم يلم شمله ولم يجمع شتته إلى الآن، وإن كانوا يحاولون ذلك.
هذه هي المملكة المغربية، في فكرها الديبلوماسي، وتصورها السياسي، تختلف مواقفها ليس فقط وفق مصلحتها، بل وفق مصلحة الأشقاء، فبينما تراها تجعل ألمانيا بقوتها وتحكمها في الإتحاد الأوروبي، تؤوب إلى الحق، وترجع إليه صاغرة مكسورة، تراها أيضا لا تحرك ساكنا إتجاه الامتناع التونسي، بل ولا تلتفت لمضايقات قنواته الإعلامية.
ودائما ما أقول لمن أبثهم خلجات نفسي، وما يضطرب في فكري، إن أكثر الكلمات التي أشم فيها رائحة النفاق، هي كلمة “أصدقائنا” حين يتفوه بها رئيس أمريكي أو غربي، وذلك أنه ليس لها ترجمة على أرض الواقع إلا فيما يخص المصلحة الضيقة، ولكن المغرب يعبر عنه بترجمته إلى أمر ملموس، حين يقدر وضع أشقائه العرب ويعذر ظروفهم.

Loading...