كتاب الرأي : ” نقط و ملاحظات على حاشية تقرير النموذج التنموي”بقلم : جمال اكاديري كاتب وباحث

المغربية المستقلة: بقلم جمال اكاديري كاتب وباحث

• مما كان يؤشر عليه دائما خبراء الدول المتقدمة ، أنه ينبغي أولا محاولة موازنة النمو المستدام في القطاعات المحورية ، لإعطاء الانطلاقة الحقيقية في المشاريع الاستراتيجية الكبرى

• و في حالة المغرب ، فإن المحركين الديناميين ، الذين يلعبان الدور الأكثر حسما ، يتعطلان حالما يستمر عجزنا التجاري في التفاقم ، حيث يشكل تدخل الاستثمار العمومي ، من طرف الدولة في الاسواق الداخلية ، كمتغير لتعديل الموازنة المالية ، وتدبيرها في الإطار العمومي و ترك الاستثمار في القطاع الخاص ، يتخبط في دوامة قصر النظر ، فتتوالى مسلسلات الاستثمارات التكتيكية التي هدفها الربح قصير الأجل ، كما تعودت الشركات والمقاولات الخاصة على السير بتلك الوتيرة .

 

• ولذلك فإن النمو الاقتصادي ، لا يزال يحوم حول ما يمكن أن يستنزفه من الدورة الاستهلاكية.

• وبمأن الاستهلاك ، مرتبط بشكل لا ينفصم ، بمستويات الإنفاق العام ، ومستوى الدخل و القوة الشرائية المعيشية ، وبمبلغ الإعانات المقدمة من طرف الدولة ، وبالأشكال المختلفة للمساعدة في المبادرات الوطنية للتنمية البشرية ، وغيرها من أموال الدعم العام الغير المباشر .•

• فحينها يتحول معدل النمو إلى شيء من هذا القبيل ، أي أنه ليس نتيجة أي دينامية اقتصادية تدفع به إلى الأمام ، وإنما نتيجة حتمية لضخ دائم للأموال العامة في الدوائر والقطاعات الاقتصادية لانعاشها .

فالأكيد بالنسبة لنا ، انه لا يمكن أن يبقى مؤشر معدل النمو في مستوياته تلك ، إلا باستنزاف مزيدا من صناديق ميزانية الإنفاق و عجز دوري في الموازنة ، ويؤدي بدوره إلى تحريك دوامة الديون صعودا .

• فيبقى السؤال معلقا :

• كيف يمكن أن تنجح أي وصفة ، للحفاظ على الموارد المالية العمومية ، وخفض أعباء الديون الخارجية ، طالما أن المغرب لم يغير من نمط التدبير المختل ، المرتكز أساسا على النمو المدعوم بالانفاق ، أو المتروك لأحوال الطقس و تحول الظرفية للخروج من هذه الدائرة المغلقة العقيمة .

• الذي تثبت عندنا ، أن المغرب رابض يحوم في حلبة العجز

• 1 عجز الميزانية

• 2 عجز في الميزانية التجاري

• 3 إفراط فاحش في استخدام الديون لتصحيح الاختلالات المالية و استدامة الاستهلاك المعيشي.

• – بمأن ملك البلاد ، لم يتردد ولو لحظة في خطاب ملكي تاريخي ، على أن يشخص الوضع بالكارثي بسبب فشل النموذج التنموي المعتمد من طرف الدولة ، والذي كلفها الملايير من الدراهم على دفعات ، وبسببه ارتفعت المديونية الخارجية ، لن نتردد بدورنا أن أطرح هذا السؤال المحرج :

• هل أصلا يمكن تصنيف المغرب من بين بلدان الاقتصاديات الصاعدة ، تبعا للمعايير المعتمدة في خبرة التأشير داخل دوائر المنتديات ، و حسب وكالات التصنيف الدولية ؟؟

• ففي المناقشة حول التنمية الاقتصادية ، لا يمكن المغامرة وتصنيف المغرب ضمن الاقتصادات الناشئة حتى لو كان يطمح مسؤولو البلد وقياديوه، لتحقيق ذلك بصورة عالمية مشروعة.

• للأسف الأسس الاقتصادية والمؤسساتية لدينا ، هي أبعد ما تكون لتلبية شروط هذه المرحلة من التنمية المحلوم بها لأن الأرقام كانت دوما عنيدة ويحددها واقع مادي إشكالي عنيد .

• لن نذهب إلى القول ، أن المغرب أقل البلدان نمواً على الصعيد الأفريقي ، لكن احتراما للنزاهة الموضوعية ، سنقول انه لم يبلغ مستوى الدول الصاعدة أيضاً.

• فمنذ نهاية ما يسمى برنامج التقويم الهيكلي ، تأخر التقدم الاقتصادي ، بسبب إرث التوترات السياسية مع معارضة كانت دوما تطمح للمشاركة ، في ادارة شؤون البلاد ، قبل أن تبين عن قصور فادح في حل المسائل الاقتصادية الكبرى في فترة مايسمى بحكومة التناوب .

• و ايضا ، بسبب عدد من الإصلاحات غير المكتملة ، و بسبب المشكل المتواتر ، الذي هو ، عدم قدرة القطاع الخاص ، ليكون المحرك الفعلي ، لإقتصاد يتعثر في طريقه نحو خلق ليبيرالية محلية قوية ، تخلق شروطها وقواعدها الخاصة ، بعيدا عن أثر التبعية الخارجية .

• المغرب يحاول ، أن يمتثل لإستيفاء جميع المعايير ، التي ستسمح له الانضمام ، الى لائحة الدول الصاعدة ، إلا أنه يفتقر إلى ذلك النمو القوي ، الذي بامكانه إلحاقه بنادي الاقتصاديات الناشطة عالميا .

• فالإشكال ، الذي يتكرر في كل دورة موسمية ، على المدى القصير ، يكمن اساسا ، في أن وتيرة النمو شديدة التقلب ، وكانت في الماضي و لعدة سنوات تعتمد بالدرجة الأولى ، على التساقطات المطرية ؛ لأن القطاع الفلاحي كان له نصيب كبير في مجمل الأداء الاقتصادي ؛ ثم بعد انطلاق البرامج الاستراتيجية الكبرى ، التي خططت لها الدولة ، في قطاعات عدة ، منوعة بذلك تدخلها الاقتصادي ، بدءنا نسجل توازن في عوامل محركات النمو المؤثرة ، على مجمل الأنشطة الإنتاجية ، كل هذا طمعا في أفق تحقيق الخطة الشمولية ، التي سيتوجها صعودا – كما هو مأمول – تسارع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي .

• إلا أن من نقط الضعف ، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي ، لا يزال مدفوعًا بشكل رئيسي بالاستهلاك الداخلي ، الذي يتمحور حول ما تستهلكه شرائح اجتماعية مستهدفة ، و على رأسها الأسر متوسطة الدخل ، في حين أن الاستثمار العمومي المعول عليه، يظل متذبذبا ، ليشكل رافعة فعلية ؛ و أيضا هناك ضعف في امكانيات مهن المصدرين الجدد ، على منافسة الاسواق الخارجية لكي يصبحوا محرك نمو حقيقي.

• ومع أن المغرب ، يبدو متدرجا في تبني تصفيفة حميدة من العوامل ، التي ستزيد من انطلاقه ، لكن العطب الرئيسي بالنسبة ، له كما بالنسبة لكثير من الدول الإفريقية ، هو نقص كفاءة (مايصطلح عليه بشيء من البرودة الحسابية ) الرأس المال البشري ، وتحديدا في البحث و في التطوير الذاتي ، لانها مازالت نسبيا ضعيفة لمواكبة القفزة التكنولوجية الصناعية المرغوبة .

• لشرح هذا بعبارات أخرى :

• – هناك الكثير من الاستراتيجيات المختلفة ، التي يتم تتبنيها في خطة الإقلاع الاقتصادي ؛

• لكن يبدو أن أقواها في هذه الفترة الراهنة ، السائرة على إيقاع الثورة الاقتصادية الرقمية ، هو أن تكون صاحب قدرة قوية على استيعاب العمليات الإنتاجية . وبالتالي ، أن تستثمر اولا في اكتساب المعرفة العلمية ، التي تسمح لك أن تحول صناعة أي منتوج ، إلى مسألة قرار إرادي يجعلك تنتج فقط ماهو مجد تجاريا واقتصاديا ، بنسب تنافسية أو بسعر تنافسي

• و بحيازة القرار الاقتصادي وعدم التفريط فيه تحت ضغط أي جهة خارجية .

• فالرأس المال البشري ، المكون تكوينا عاليا :
هو العامل الأول للنجاح ، حين تتوفر عليه الشركات (الخاصة أو العمومية) بنسب مشرفة وتقوم إدارات الدولة بتنمية المواهب المدربة جيداً ، مع درجة عالية من الانضباط للمعايير الدولية المعتمدة في التكوين.

• فإذن لا يمكن تقييم تطور أي تنمية على أقل تقدير دون أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار .

• أغلب التجارب التنموية الناجحة ، تؤشر على هذا النهج لا يمكن لقوة اقتصادية صاعدة ، أن تستوعب العمليات الإنتاجية بفاعلية إلا إذا وضعت هذا الجانب من بين أولوياتها : أطر متعلمة من مهندسين ، و تقنيين فنيين ، و مدراء متخصصين في عمليات التسويق مع براعة في التصميم و مثابرة في التنفيذ إلخ…

 

Loading...