كتاب الرأي : هل تحتاج جبالة لتقنين الكيف ؟ بقلم : حدو شعيب

المغربية المستقلة : بقلم حدو شعيب 

بمناسبة النقاش الدائر على أكثر من مستوى بخصوص إيجاد صيغة مناسبة لمصالحة أغلب مناطق جبالة مع الوضع القانوني للبلاد، لا يخفى على أحد أن الوضعية المقلقة لأبناء عدد من قبائل جبالة لا يمكن لها أن تستمر إلى ما لا نهاية… نعم، أهل تلك القبائل يحملون صك اتهامهم في انتمائهم، فهم مدانون ما داموا ينتمون لمناطق بعينها… بمقابل ذلك، لا يمكن إغماض العين بتاتا عن الأنشطة الغير المشروعة المنتشرة في المنطقة … وعليه، قد يتساءل عامة الناس عن سبب استمرار تلك الأنشطة الغير المرغوب فيها دون الإهتداء لحد الآن لحل حقيقي لمعضلة الساكنة والمتمثلة أساسا في البحث عن مصدر الدخل…

بصراحة، لا أتوقع النجاح لبرامج لا تأخذ بعين الإعتبار المشاكل الحقيقية التي تكبل المنطقة… وعليه، عوض مسابقة الزمن لابتكار حلول قد تبدو في ظاهرها ناجعة، لكنها تخفي في طياتها بوادر فشلها وجب الإنكباب على التحليل العلمي لكل أسباب العزلة التي تعاني منها المنطقة رغم تواجدها في مركز الشمال المغربي وتوفرها على مؤهلات مهمة ومتنوعة… بعبارة أوضح، إذا كانت هناك نية حقيقية للإلتفات إلى المنطقة والتصدي بجدية لمشاكلها الحقيقية من أجل رفع التهميش وإدماجها في النسيج السوسيو اقتصادي الوطني، يجب النأي عن المزايدة السياسية أولا ثم وضع التنمية للثلاثي:

الانسان+ البيئة + الموارد كهدف أسمى.


النأي عن تسييس أزمة جبالة هو واجب كل من له غيرة حقيقية على وطنه بصفة عامة ومنطقة جبالة بصفة خاصة. وطنيا، لأن موضوع المخدرات يجعل من بلدنا محط انتقاد وإصدار أحكام مسبقة علينا رغم كل المجهودات المبذولة لتجاوز آثار المعضلة… محليا، لا يختلف أثنان في أن النشاط الحقيقي الذي يجب رعايته بالمنطقة هو التنمية الشاملة للعنصر البشري والبيئي والموارد… لا يمكن للتنمية أن تتحقق إن سقطت ولو واحدة من هذه الركائز… وعليه، من المفروض وضع التنمية كهدف، وعلى كل سياسي الإلتزام به وتقديم حلول ورؤى واقعية عوض دغدغة عاطفة السكان المحلين بشعارات قد تطبق أو قد يطالها النسيان بمجرد ما يمر الموسم السياسي…

السكان المحليون يبحثون عن تأمين مصدر عيشهم لا غير… تأمين دخل يفي حاجة الناس هو مطلب مشروع وفي أي مكان على وجه الأرض. صحيح، أن الأنشطة المضرة سواء للإنسان مباشرة أم لبيئته أم للموارد لا يمكن قبولها، على سبيل المثال، لا يمكن قبول إقدام شخص على قطع الاشجار وتدمير الغابة تحت ذريعة كسب لقمة العيش …

مثال صارخ فعلا… قد يتبادر الى الذهن أن الضرورة تبيح المحضور… هنا بيت القصيد، إن كنا نبحث عن حل فيجب شطب الضرورة عوض إباحة الضرر…
متى رفعت الضرورة عن ساكنة جبالة لن يكون هناك سبب لإباحة المحضور… هذا هو الحل الحقيقي لمعضلة الكيف…
لنكن صرحاء، جبالة تعاني عزلة لا توصف، شبكة طرقية تعود لعقود خلت… تخضع لعمليات تجميل مناسباتية لكنها في هيكلها هي هي كما تركها الإستعمار … حركة النقل عبرها تتطلب مدة طويلة مقارنة مع باقي مقاطع الطرق بالشبكة الوطنية، وخير دليل، كم يستغرق مقطع الشاون تطوان من الوقت؟ وما بالكم بالطرق الداخلية ؟ 40 كلم تتطلب ساعة من الزمن أو أكثر … بالإضافة إلى إستحالة مرور الشاحنات الكبيرة بالمنطقة… بهذه الشبكة الطرقية، بالله عليكم، ماذا يمكن إنتاجه بالمنطقة ويكون منافسا لمنتوج مماثل لمنطقة أخرى تتوفر على وسائل نقل متطورة ؟
المنطقة تزخر بمؤهلات كثيرة ومتنوعة لكنها تبقى مقيدة باستحالة التسويق ما عدا المنتوجات الممنوعة، يمكن للمنطقة أن تصبح مصدر العديد من الإنتاجات الفلاحية ذات جودة عالية لكن التسويق يبقى مستحيلا… الكيف ومشتقاته هو المنتوج الوحيد الذي يمكن تسويقه ليس بإمكانية إخراجه من المنطقة بل بقدوم المشترين إلى عين المكان وبالأداء نقدا… هذا هو السر الحقيقي وراء تشبث السكان المحليين بالمنتوج الغير مرغوب فيه قانونيا لأنهم مكرهون وليسوا أبطالا …
ارض جبالة تتشابه لحد بعيد بالجنوب الشرقي الاسباني، وتنعم بمناخ معتدل وتعرف اعلى معدل للتساقطات مطريا، كما أنها تعرف تنوعا بيولوجيا فريدا لا يمكن أن تجده بباقي تراب الوطن … ويمكن أن تحتضن الكثير من الأنشطة السوسيو اقتصادية المدرة لدخل محترم للجميع … لكنها بالمقابل تفتقر إلى شبكة للطرق الحديثة، موصومة بنعت نمطي وأحكام جاهزة… لتبقى عبر عقود منطقة خارجة عن القانون…

Loading...