المغربية المستقلة: بقلم خديجة اليزيدي
تفوف الاناث عن الذكور تفسّره مجموعةٌ من العوامل، وهي بالأساس عوامل اجتماعية وثقافية وتربوية.
في نهايةِ كلّ سنةٍ دراسية بالكثير من البلدان العربية، يتفاجأ الجميع بنسب النّجاح عند الإناث والتي تفوق نظيرتها في صفوف الذكور، وأيضاً من المعدّلات العالية التي تحصدها البنات من سنّ الحضانة وحتى الجامعة، مقارنةً بالأولاد.

هذه الفكرة ليست مجرّد تعميم، بل نِتاج إحصائياتٍ وأرقام صادرة عن جهاتٍ رسمية بالبلدان العربية، وأيضاً دراساتٍ تبين أن تفوّق الإناث على الذكور حقيقة لها أسبابُها.
ففي المغرب، قالت وزارة التربية الوطنية صباح يوم الاربعاء 15 يوليوز إنّ العدد الإجمالي للناجحات في امتحانات الباكالوريا (الثانوية العامة) لهذا العام 2020 بلغ 109 ألفاً و717 مترشّحة،مقابل 87 الف و86 في صفوف الذكور وهو مما يعكس تفوق الاناث بنسبة 55.75 في المائة.
وفي السنة الماضية أيضا2019 كان العدد الاجمالي للناجحات هو 121 الفا و 673 مترشحة أي بنسبة 57 في المائة .
وهناك دراسات تبين تفوق البنات على الذكور في عدة دول اخرى
وفي تونس مثلا، استطاعت البنات أن يحصدن نسبة نجاح بلغت 63.48%، فيما بلغت بالنسبة للذكور 36.52% فقط، حسب أرقام وزارة التربية.
في الجزائر أيضاً، أفادت وزارة التربية أنّ نسبة النجاح بالنسبة للفتيات في امتحان الباكالوريا بلغت 65%، فيما بلغت بالنسبة للذكور 35%.
كما اكدت مواقع اردنية تفوق البنات بنسبة اكبر من نسبة نجاح الاولاد و خصوصا العلوم و الرياضيات و القراءة.
تأثير المنظومة التربوية:
يوضّح المتخصّصون في علم الاجتماع أنّ طبيعة التربية التي تتلقّاها الإناث، المختلفة جذرياً عن نظيرتها التي يتلقّاها الذكور، تجعل الفتيات يتعوّدن على نوعٍ من الانضباط في السلوك، ما يجعلهنّ بالتالي أكثر انضباطاً من الذكور في المدرسة. وأن”التربية والتكوين اللذين تتلقّاهما الفتاة يجعلانِها، في أغلب الحالات، تقوم بمجهودٍ أكبر حتى تُبرز نجاحها، ولو أنّ التميّز والتفوّق نِتاج لمجهودٍ شخصي ولا يتعلّقان بقُدراتٍ خارقة لأحد الجنسين .
ويرجعُ الانضباط عند الفتيات إلى كونِهنّ يحظين بتتبّعٍ دائم من طرف أسرهنّ بالمقارنة مع الذكور، ليس في المدرسة فحسب، بل في مختلف مناحي الحياة.
في هذا السياق، تشير دراسة جمعية علم النفس الأمريكية إلى أنّ “نتائج التربية التي تتلقّاها الفتاة منذ طفولتها تجعلها أكثر قابليةً للانتباه والتنظيم وإتمام الواجبات وحسن الإصغاء واتباع التعليمات بدقّة.”
إثبات الذات في مجتمع ذكوري:
تفسر الكاتبة المتخصصة في علم الاجتماع سناء العاجي أن تربّية المجتمعات الذكورية الإناث على أن يكنّ أكثر إصراراً ومثابرةً وصبراً خلال فتراتٍ طويلة، وذلك في مختلف مناحي الحياة. وتفوق الإناث على الذكور في الدراسة بكون أن الفتيات مطالَباتٍ دائماً بالقيام بمجهود مضاعف من أجل ابراز نجاحهنّ وكسب مكانتهنّ باستحقاق…
وهذا يعوّد الفتاة على بذل مجهودٍ كبير، بالمقابل، يشعر الشابّ بالتفوق والتميّز لمجرّد أنّه ذكر، الأمرُ الذي لا يدفعه لبذل مجهودٍ كبير. الفتاةُ مثلاً مُطالبةٌ بتعلّم أشغال البيت، والاهتمام بمظهرها، واحترام ضوابط الأسر في ما يتعلّق بساعات الخروج والدخول، والمحافظة على سُمعتها، وبذل مجهود في الدراسة”.
وقد لا ترتبط نتائج الامتحانات في المدارس بذكاء التلاميذ فقط، بل أيضاً بالمنظومة التربوية عامّةً، سواءٌ داخل الأسرة أو في الشارع أو في المدرسة، والتي تعامل الإناث والذكور من منطلقاتٍ مختلفة.
” وقد ترتبط نتائج الاختبارات المدرسية بما نلقّنه من قيمٍ للأطفال، ومن تصوراتٍ حول دورهم ومكانتهم في المجتمع، وكذلك قيم العمل والمجهود والاستحقاق المبني على المجهود الشخصي، وليس فقط على الانتماء الجنسي الطبيعي” تردف العاجي
مقاومةٌ للاضطهاد:
تفوّق الإناث على الذكور في الدراسة في الكثير من البلدان العربية له أيضاً، بالإضافة إلى التفسيرات السوسيوثقافية، تفسيراتٌ أخرى نفسية.
حسن الزهراوي،باحث مغربي و مدرّسٌ في التعليم الثانوي، يشيدُ بقدرات تلميذاته على الانضباط والالتزام بالتعليمات والقواعد، مقارنةً بتلاميذه من الذكور،حتى خلال تصحيح أوراق الامتحانات، يلاحظ الزهراوي دائماً ذلك الفرق الشاسع بين أوراق الإناث والذكور.
يقول:” ألاحظ دائماً كيف أنّ التلميذات يحرصن على التنظيم، على جمالية الخطّ وترتيب الأفكار، وأناقة الورقة، عكس الذكور” يُفسّر الزهراوي هذا بسعي الفتيات إلى فرض أنفسهنّ كقوى فاعلة ومواطنة مسؤولة، وكدحهنّ المُلِحّ ليقُلن للمجتمع الذي يهدر كرامتهنّ وحقوقهنّ “أيها المجتمع، أنا هنا، أنا موجودة وقادرة على إثبات ذاتي وكينونتي”
وحسب المتخصّصين في علم الاجتماع الذين اهتمّوا بوضعية النساء في أبحاثهم، فإنّ هذا راجعٌ إلى كون المرأة كائناً مقهوراً اجتماعياً، يتعرّض للعَسفِ والاضطهاد بشتى تلاوينه، والعنف بكلّ تشكّلاته وتمظهراته….
في هذا الإطار، تضطرّ الكثيرات من الفتيات في المجتمعات العربية، في الكثير من الأحيان، إلى خوض معارك مع عائلاتهنّ وآبائهنّ من أجل انتزاع حقّهن في التمدرس، بخاصّةً في المناطق القروية والنائية أو شبه الحضرية، ما يجعل الدراسة، حسب الزهراوي، “إحدى أهمّ السّبل التي تسعى من خلالِها على البرهنة على كينونتها وإثبات ذاتها، فتتحوّل بذلك إلى تحدٍّ دائم…”.
هل الاناث أذكى من الذكور؟
تجيب حنان كنون، مدرّسة اللغة الفرنسية في التعليم الثانوي، بالنّفي. فتجربتُها كمدرّسة جعلتها تُعايش حالاتٍ من التلاميذ الذكور الأذكياء، بل من يتفوّقون على البنات في مستوى الذكاء. ومع ذلك، ظلّت التلميذات محتكراتٍ للمراتب الأولى..
قد تتفوّق الإناث على الذكور، نظراً إلى جهدهنّ وعملهنّ، فهنّ يجتهدن أكثر من الأولاد، ويخضعن للتعليمات، ونادراً ما يدخلن في مواجهاتٍ مع المدرّسين أو الإدارة، عكس الذكور الذين يميلون أكثر إلى التمرّد على القواعد”،
وهناك حالاتِ فتياتٍ متفوّقات ومُجدّات وذكيات، على الرغم من العقبات والمسؤوليات الأسرية الكثيرة المُلقاة على عاتقهنّ. فهنّ يساعدن أمّهاتهنّ في البيت ويهتمن بإخوتهنّ الصغار، لكنّهنّ يتحدّين هذا الوضع بالنّجاح والتفوق.
” درّستُ فتياتٍ متفوّقات في العلوم والآداب والرياضيات، لكنْ، حين تقترب منهن، تتناهى إلى أنفك رائحة مساحيق الغسيل، وهذا يدلّ على أنّهن يتحمّلن مسؤولياتٍ أخرى ويقمن بمجهوداتٍ مضاعفة، وهذه العقبات تولّد لديهنّ رغبةً عميقةً في النجاح والتفوق، وربّما هي رغبةٌ لا واعية في الخروج من المأزق الذي يجدن فيه أنفسهنّ منذ نعومة الأظفار…
