سلسلة جلسات دينية يومية: سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم : (جلسات : 145-146-147-148)

المغربية المستقلة :

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة: مائة وخمسة وأربعون

من أحداث السنة الثانية

*غزوة بدر الكبرى*

*قوام جيش المسلمين وخروجه*

❍ ما أعلن رسول الله الأمرَ بالغزو إعلانا يبلّغ به الغائب،
ولكنّه صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( إِنَّ لَنَا طَلِبَةً – أي: شيئا نطلبه لا بدّ من إدراكه -،فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا )).

❍ بل حتّى تلكم الأجراس الّتي تُعلّق في أعناق الإبل والغنم والبقر عادةً، أمرهم صلّى الله عليه وسلّم بنزعها.

فقد روى الإمام أحمد عن عائشَةَ رضي الله عنها أنّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بِالْأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أَعْنَاقِ الْإِبِلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

❍ وانطلق الجيش الإسلاميّ ..
كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر

إذا نظرت إليهم باحثا عن خيل يركبونها لم تَجِد سوى فرسين !

روى البيهقيّ بسند حسن عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهقال:
” ما كان معنا إلاّ فَرَسَان: فرسٌ للزّبير رضي الله عنه، وفرسٌ للمقداد بن الأسود رضي الله عنه “.

❍ والبقية يتناوبون السير والركوب
يقول ابن مسعود فيما رواه الإمام أحمد :

” كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ: كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم..
فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ.
فَقَالَ صلّى الله عليه وسلّم:
(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))”

يقول ذلك وقد رقّ لمنظرهم وهم يتعاقبون .. ورقّ لحالهم وهم من التّعب والجوع وطول السّفر يتساقطون !

❍ فاتّجه إلى أرحم الرّاحمين يستمطره رحمةً من عنده لهؤلاء المساكين، فابتهل ولهج قلبه ولسانه.

روى أبو داود والبيهقيّ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ ! اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ ! اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ !))

❍ ودفع اللّواء إلى مصعب بن عمير، وراية المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب، والأخرى الّتي للأنصار إلى سعد بن معاذ رضي الله عنهم.

وتحرّك الجميع نحو تلك القافلة مسرعين، يطوون الأرض طيّا ..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸

_____________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة: مائة وستة وأربعون

من أحداث السنة الثانية

*غزوة بدر الكبرى*
*خروج المشركين إلى بدر*

سارت جموع المسلمين إلى قافلة قريش آملين نفلا مباركًا .. فحدث مالم يكن بالحسبان..

لقد علمت قريشٌ بخروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نحوَهم.

وذلك حين أصاب أبو سفيان خبرا من بعض الرّكبان: أنّ محمّدا قد استنفر أصحابَه لك ولعيرك..

فحذِر عند ذلك، واستأجر *ضمضمَ بنَ عمرو الغفاري*، فبعثه إلى مكّة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرَهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمّدا قد عرض لها في أصحابه.

فخرج ضمضمُ بنُ عمرو سريعا إلى مكّة ..

سمع أهل مكّة صوت ضمضم الغفاري: ( اللّطيمة ! اللّطيمة !أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمّد في أصحابه ..لا أرى أن تدركوها .. الغوث ! الغوث ! )..

وتجمّعت قريش حول هذا المشهد .. وصرخوا بوجه هذا النّذير يسألونه عن تفاصيل ما يحدث ..

واحتقنت وجوه الطّواغيت كلّها، وارتجّت جدران مكّة بضجيجهم وصراخهم، وسُلّت السّيوف .

إلاّ واحدا أذهله الخبر .. لا يدري ما يفعل ؟ ولا أين يذهب ؟
إنّه *أميّة بن خلف،*
فإنّه الآن يتذكّر كلام سعد بن معاذ رضي الله عنه:
” دعنا منك يا أميّة ! لقد سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول *إنّه قاتلك ! “..*

واليوم قد حان خروج قريش ولن يتخلّف أحد ؟ فهل سيتخلّف هو وهو سيّد من سادتها ؟!

*إنّهم سمعوا صوت ضمضم ينادي ” الغوث ! الغوث !” إلاّ هو، فكأنّه يسمعه ” الموت ! الموت !”..*

فدخل على زوجته ..
روى البخاري وأحمد عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال:
” فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ ؟
قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي، فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ. فَسَارَ مَعَهُمْ.

👈🏼هكذا كان أبو جهل في ذلك اليوم .. كان كالمجنون يجول في شوارع مكّة .. يذرع طرقاتها .. ويثير الغبار في أزقّتها .. ويطرق أبوابها..

فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ..” أي: ما نزل منزلا إلاّ وعقل بعيره أمامه تأهّبا للهروب، يرى الموت خلف الصّخور، وبين الأشجار..

👈🏼وخرج المشركون والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلم بعد بخروجهم، خرجوا بقيادة أبي جهل بن هشام في
*تسعمائة وخمسين مقاتلا،* مصطحبين معهم المغنّيات والخمر .. والموت .. وقد وصف الله خروجهم ذلك فقال:
{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

انطلقوا يريدون مكانا بين مكّة والمدينة، يقال إنّه كان به موسم من مواسم العرب يجتمع لهم به سوقٌ كلَّ عام، وكان اسم هذه الأرض بـدر ..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸

___________________________________________________

 سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة: مائة وسبعة وأربعون

من أحداث السنة الثانية

*غزوة بدر الكبرى*

*استشارة القتال*

خرج الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يريدون القافلة..
وخرج أبو جهل بجيشه يريدون القضاء على الإسلام وأهله..

ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم وادي ذِفران توقف.. ليخبر أصحابه بخروج قوات قريش إليهم..

قال ابن إسحاق رحمه الله:” بلغ صلّى الله عليه وسلّم واديا يقال له ” ذِفْران “..
حتّى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم
ليمنعوا عِيرَهم..

فاستشار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم النّاس وأخبرهم عن قريش “.

*ردود الصحابة بعد الاستشارة*

ـ قام أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فقال وأحسن.
ـ ثمّ قام عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال وأحسن.
ـ ثمّ قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: ” يا رسول الله ! اِمْض لما أراك الله، فنحن معك، واللهِ لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}
ولكنْ اذهبْ أنت وربّك فقاتلا، إنّا معكما مقاتلون، فوالّذي بعثك بالحقّ ! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه “.

ـ وقام سيّد الأنصار: سعد بن معاذ رضي الله عنه، ـ وكلامه وموقفه له وزن في قلوب المؤمنين ـ، فقال:

” يا رسول الله ! قد آمنّا بك، وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السّمع والطّاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك..
فوالّذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحرَ فخضته لخضناه معك..
ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
إنّا لصُبُر عند الحرب، صُدُق عند اللّقاء..ولعلّ اللهَ يريك منّا ما تَقِرُّ به عينك..
فسر بنا على بركة الله !

فسُرَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقول سعد رضي الله عنه،ونشّطه ذلك.

*وجاءت البشرى من الله تعالى عندئذ:*
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} ..

وقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ ! وَأَبْشِرُوا ! فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ.. وَاللهِ لَكَأَنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ)).

روى الطّبراني والإمام الطبريّ عن أبي أيّوب الأنصاري رضي الله عنه قال:
” فلمّا وعدنا إحدى الطّائفتين إمّا القومَ، وإمّا العير طابت أنفسنا “.

وطاب المسير، وانطلق النبيّ صلّى الله عليه وسلم
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸

________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة: مائة وثمانية وأربعون

من أحداث السنة الثانية

*غزوة بدر الكبرى*

*اختيار المكان*

عندما تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موقع ماء بدر، وبالقرب من مكان المعركة..

نزل بالجيش عند أدنى بئر من آبار بدر ..

وهنا قام الْحُبَاب بْنَ الْمُنْذِرِ وأشار على النبي بموقع آخر أفضل من هذا الموقع قائًلا :

يَا رَسُولَ اللّهِ ! أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ ولا نَتَأَخّرَ عَنْهُ..
أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟

قَالَ : ” بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ” ..

فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ ، فَنَنْزِلَهُ ثُمّ نُغَوّرَ [ أي ندفن ] مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ..
ثُمّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمّ نُقَاتِلَ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ..

فَقَالَ رَسُولُ الله صلى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – مشجعًا – :

” لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ”.

ومن هذا الموقف أسجل
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸

Loading...