المغربية المستقلة:
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة : مائة وسبعة عشر
*وصولُ الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة*
ما إنْ أشرقتْ أنوارُه صلى الله عليه وسلم على الوجوه ؛ حتَّى عمّ الفرحُ والسُّرورُ بين أرجاء المدينة كلِّها.
لقد كان استقبالًا جماهيريًّا حاشدًا ؛ ما ذَكر التَّاريخ له مثيلًا ..
*ومن مظاهر البهجة برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مَقْدَمِه المدينةَ :*
_ أولادُ الحبشة يلعبون بالحِرابِ فرَحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم :
في الحديث : ( لمّا قَدِمَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبتِ الحبشةُ بحِرابهم فرحًا بقُدومِه ) .
رواه البيهقي في السنن
_ فرحُ أهلِ المدينة بمَقْدَمِه صلى الله عليه وسلم .. وقد تحدّث البراء رضي الله عنه عن ذلك فقال : ( خرج النّاسُ في الطرق وعلى البيوت ، والغلمانُ والخدمُ يقولون جاء محمَّد … ) .
رواه ابن حبان
_ أضاءتِ المدينةُ بأنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كما قال سيّدنا أنس رضي الله عنه : ( لما كان اليومُ الَّذي دخلَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أضاءَ منها كلُّ شيء ) .
رواه الترمذي وأحمد
ـ ذبح الذبائح لمقدمه المبارك إكرامًا:
ففي مسند الإمام أحمد عن جابِر ٍرضي الله عنه أنّ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَحَرُوا جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً، وَقَالَ مَرَّةً: نَحَرْتُ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً.
ـ أمّا الجواري فحَمَلْن الدّفوفَ يضربْنَ عليها ويتغنَّيْن..
ففي سنن ابن ماجه والبيهقيّ عن أنسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أنَّ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بِبَعْضِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا هُوَ بِجَوَارٍ يَضْرِبْنَ بِدُفِّهِنَّ وَيَتَغَنَّيْنَ، وَيَقُلْنَ:
( نَحْـنُ جَـوَارٍ مِنْ بَنِـي النَّجَّارِ
يَـا حَبَّـذَا مُحَمَّـدٌ مِنْ جَـارِ ).
فقالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( يَعْلَمُ اللَّهُ إِنِّي لَأُحِبُّكُنَّ ))
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
_____________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة : مائة وثمانية عشر
من أعمال الحبيب بعد الهجرة
*بناء المسجد*
صارت المدينةُ بهجرة المصطفى عاصمةَ الإسلام؛ وكان لا بدّ من جمعِهم في مجمع يجمع كلمتَهم، ويثلج صدورهم بأخوّة الإيمان، فكانت لبنات المسجد النبوي حاضنة الإسلام ومنارة الهدى للعالمين..
… نعم وبينما النّاس يهتفون فرحا، رجالا ونساءً، صغارا وكبارا، إذا بناقة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تتوقّف وتبرُكُ ..
قال عروة – كما في صحيح البخاري -:
” حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِرْبَدًا[المربد: المكان الّذي يجفّف فيه التّمر. ] لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ – غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ –
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ:
(( هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ الْمَنْزِلُ )).
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا.
فقالا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ !
فَأَبَى رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً،حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا.
ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ، ويقولُ – وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ -:
اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ
فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
وفي الصّحيحين قالَ أنسٌ رضي الله عنه:” فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ ( وهو ما هُدِم من البيوت) فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ..
فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ -والعِضادة: جانب الباب -..
وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ .
لقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتعب كما يتعبون، ويتصبّب عرقا كما يتصبّبون، وينشد لهم ليرفع من معنوياتهم، ويكون لهم نعم العون..
حتى غدا عمار بن ياسر رضي الله عنه من غمرة فرحه برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالبناء يحمل حجارتين بدل الواحدة كما في صحيح البخاري .
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
_________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة وتسعة عشر
*رسول الله في بيت أبي أيوب الأنصاري*
رأينا ـ سابقًا ـ دخول الحبيب صلى الله عليه وسلم المدينة النّبويّة، وكيف استقبله أهلها.
ورأينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعزم على شيء كما عزم على *إرساء أسس المجتمع المسلم.*
فكان أوّل أساس وضعه هو بناء مسجد يجمع المسلمين، ويوحّد قلبوهم وصفوفهم.
وهذا يدلّ على قيمة المسجد في الإسلام، فقد جعله الله تعالى أفضل البقاع على الإطلاق.
ـ وتقع به أفضل العبادات على الإطلاق.
ـ وجعله منطلقا لجيوش الفتوح الّتي تفتح الحقول.
ـ وجعله دارا للعلم تفتح القلوب والعقول.
ـ وجعله منبرا للوعظ والتّعليم.
ـ وجعله ملتقًى للمؤمنين والصّالحين.
فما لم يلتق المسلمون يوميّا على مرّات متعدّدة في بيت من بيوت الله، تتساقط بينهم فوارق الجاه، فإنّه لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تثبت.
👈🏼 ولكنّ المسجد يحتاج إلى أيّام لإتمام بنائه..
فكان لا بدّ أن يختار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيتا من بيوت بني النجّار منزلا له ولصاحبه أبي بكر رضي الله عنه.
ففي صحيح البخاري من حديث أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قالَ نَبِيُّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:
(( أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟)).
فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ رضي الله عنه: أَنَا يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، قالَ صلّى الله عليه وسلّم:
(( فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا))، قالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ.
فحلّ بدار أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه ..
*الجميع يغبطه .. فالمدينة كانت قلوبها بيوتا، وبيوتها قلوبا ..*
👈🏼 ولندخلْ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى دارِ أبي أيّوب رضي الله عنه، الّذي ضرب أرْوعَ المثل في الحبّ والتّعظيم للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
ففي صحيح مسلم عنْ أبي أيُّوبَ رضي الله عنه أنَّ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ:
“نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم !”
فَتَنَحَّوْا،فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ.
ثُمَّ أخبر النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك، فقالَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( السُّفْلُ أَرْفَقُ )). فقالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا !.
فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ.
فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ !
وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ ؟
فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ ))
قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ.
قالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُؤْتَى [أي: يأتيه الملك].
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
________________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة وعشرون
*المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار*
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكتفي ببناء الطّوب ـ حجارة المسجد ـ وترك القلوب ؟
فأدرك الحبيب ضرورة المؤاخاة بين القلوب.. فسارع إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
ففي صحيح البخاري ومسلم وسنن النّسائي – واللّفظ له – عن أنسٍ رضي الله عنه قال:
آخَى رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ.
فَآخَى بينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ وعبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ.
فقالَ لهُ سَعْدٌ: إِنَّ لِي مَالًا، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَانِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ، فَأَنَا أُطَلِّقُهَا، فَإِذَا حَلَّتْ فَتَزَوَّجْهَا.
قالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ! دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ.
فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى رَجَعَ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ – هو اللّبن المجفّف – قَدْ أَفْضَلَهُ.
من أجل ذلك قال تعالى:
{وَالَّذِينَ تبوّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
من أجل ذلك ثبت لهم أعظم الشّرف..
❍ ففي الصّحيحين عنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ )).
❍ وفي الصّحيحين عن البَرَاءِ رضي الله عنه قال: سمعْتُ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلاَّمُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ )).
وبهذا يكون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وضع الأساسين العظيمين الَّذَين يقوم عليهما المجتمع المسلم:
1- مسجد يجمعهم على طاعة الله علاّم الغيوب.
2- ومؤاخاة تتماسك فيها القلوب ..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
