المغربية المستقلة:
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة مائة وثلاثة عشر :
*خيمة أم معبد*
روى أبو نعيم في “الدّلائل”، والحاكم، والطّبراني وغيرهم:
أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج مهاجرا هو وأبو بكر رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم اللّيثي عبد الله بن الأريقط
مرّوا على خيمتَي أمّ معبد الخزاعية، وكانت برزة [أي: المرأة الّتي لا تحتجب مع عفافها] جلدة [أي: قويّة]، تحتبي بفناء الخيمة، ثمّ تسقي وتطعم.
فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى شاة في تلك الخيمة فقال: (( مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ؟ )).
قالت: شاةٌ خلّفها الجهد عن الغنم.
قال: (( هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ )) ؟
قالت: هي أجهد من ذلك.
قال: (( أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلِبَهَا ؟))
قالت: نعم بأبي أنت وأمّي إن رأيت بها حلبا.
ـ فدعا بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ـ فمسح بيده ضرعها.
ـ وسمّى الله عزّ وجلّ.
ـ ودعا لها في شاتها..
فتفاجت عليه [أي: فرجت رجليها للحلب] ودرّت.
فدعا بإناء يريض الرّهط [أي: يروي الجماعة]، فحلب فيها ثجّا [لبنا سائلا كثيرا].. حتّى علاه البهاء [وهو بريق رغوة الحليب]، ـ ثمّ سقاها حتّى رويت..
ـ وسقى أصحابه حتّى ارتووا..
ـ ثمّ شرب آخرَهم.
ـ ثمّ أراضوا [أعادوا].
ـ ثمّ حلب ثانيا بعد بدء حتّى ملأ الإناء.
ثمّ ارتحلوا عنها.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق غنما أعجافا.
فعجب ! وقال: من أين هذا والشّاة عازب حائل [أي: لم تحمل]، ولا حلوبة في البيت ؟
قالت: لا والله، *إلاّ أنّه مرّ بنا رجل مبارك*. فقال: صفيه لي يا أمّ معبد !
قالت: رأيت رجلا طاهر الوضاءة.
أبلج [أي: مشرق الوجه].
حسن الخلق.
لم تُعِبْهُ ثجلة [أي بدانة].
ولم تُزْرِ به صَعْلَة [نحافة].
في عينيه دَعَجٌ [شدّة السّواد].
وفي أشفاره عطف.[هو أَن يطول شعر الأَجفان].
وفي صوته صهل [ليس برقيق ولا بشديد]…
إن صمت فعليه الوقار.
وإن تكلّم علاه البهاء.
أجمل النّاس وأبهاهم من بعيد
وأحسنهم من قريب.
له رفقاء يحفون به.
إن قال أَنْصَتُوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره.
محفود محشود ولا عابس ولا معتد.
فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره، ولقد هممت بأن أصحبه.
ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
______________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة مائة وأربعة عشر:
*على طريق الهجرة*
أكمل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مسيْرَه المبارك إلى المدينة بعد الوقوف عند أم معبد..
وربّما صادف النّاس في الطّريق، فكان أبو بكر يتولّى الكلام معهم.
ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:
أبو بكر شيخ يُعرف، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعرف..
فكان الرّجل يلقى أبا بكر فيقول: يا أبا بكر !
من هذا الرّجل الّذي بين يديك ؟ فيقول: هذا الرّجل يهديني السّبيل.
فيحسب الحاسب أنّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخير.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
_______________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة مائة وخمسة عشر:
*على مشارف القلوب*
ها هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على مشارف المدينة .. بلدةٍ سمّاها العرب ( يثرب ) فغيّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اسمها إلى طيبة ..
هناك كان ينتظره الألوف ..
بلغهم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قُباء، فطارت القلوب إليه شوقا أكثر ممّا كانت عليه ..
جاء في صحيح البخاري عن عروة قال:
” سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ “.
وفي رواية ابن إسحاق عن رجال من بني ساعدة قالوا:
” لمّا سمعنا بمخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكّة، وتوكّفنا قُدُومَه، كنّا نخرج إذا صلّينا الصّبح إلى ظاهر حرّتنا، ننتظر رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم..
فوالله ما نبرح حتّى تغلبنا الشّمس على الظّلال، فإذا لم نجد ظلاّ دخلنا، وذلك في أيّام حارّة ..”.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
______________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة مائة وستة عشر:
*رسولنا صلى الله عليه وسلم في قباء*
وصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مشارفَ المدينة وقت القائلة يومَ الإثنين من شهر ربيعٍ الأوّل.
ولم يتّجه إلى المدينة فوراً كما هو منتظَر، ولكنّه انحرف إلى قباء، بديار بني عمرو بن عوف.
لم يره أحدٌ؛ لأنّهم أنهكهم حرّ الظّهيرة .. لم يره أحد من الأنصار، ولا من المشركين .. إلاّ يهوديّ رآه ..
كان فوق حِصْنٍ من حصونهم، ـ وهم قوم لا يعيشون إلاّ في قرى محصّنة .. ربّما لشدّة حِرصِهم على الحياة، فيظنّون أنّ الموت يترقّبهم في كلّ لحظة !
أو ربّما كانوا يعتقدون أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، وأنّ بقيّة البشر لا يستحقّون شرف العيش معهم .. ـ
يقول عروة في حديثه:
فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم، مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
*يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ ! هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ !* [جدّكم: حظّكم، وصاحب دولتكم الّذي تنتظرونه].
قال: فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه [أي: إنّ الكثيرين كانوا يظنّون أبا بكر رضي الله عنه هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم].
في رواية ابن إسحاق: ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنّه، وأكثرُنا لم يكن رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل ذلك، وركبه النّاس – أي ازدحموا عليه – وما يعرفونه من أبي بكر، حتّى زال الظلّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
فقام أبو بكر رضي الله عنه فأظلّه بردائه، فعرفناه عند ذلك.
قال عروة كما في الصّحيح:
فَلَبِثَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ِصلّى الله عليه وسلّم.
وفي رواية ابن إسحاق: أنّه خرج يوم جمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاّها بوادي رَانُونَاء، فكانت أوّل جمعةٍ صلاّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الهجرة.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
