“البناي”: بؤرة المعاناة و المحن!! بقلم: حدو شعيب

المغربية المستقلة: بقلم حدو شعيب

عامل البناء، مهنة لمن لا مهنة له، و ملاذ لمن لا كفاءة و لا شهادة عنده إلا عضلاته و بنيته الجسمية و قوة صبره، أولئك الذين يهرعون إليها و يلوذون بالفرار إليها، لا يفعلون ذلك إلا مضطرين أو لأنهم لا يتقنون عملا آخر و لا يحترفون مهنة أخرى، و ليس حبا فيها.
عامل البناء، رغم أن يده تفقد نعومتها فتصبح كقطعة خشبية خشنة مليئة بالشقوق و التجويفات و وجهه من كثرة تعرضه للشمس طوال النهار يكسب لونا برونزيا، تجد أكثر الرجال حظا في هذا المجتمع، الذي لا تطمح المرأة إلى مزاحمته في هذا الميدان و لا تسعى إلى غزوه في هذه الساحة التي تبقى حكرا عليه.
حين تستيقظ في الصباح الباكر لا تلتقي في الطريق إلا بعامل البناء ، بهيئته التي طبعها الزمن بطابعه و مشيته التي لا تخفى على أحد، هذا المقهور و المنبوذ الذي لفظته الحياة و ألقت به في الهامش، و لا يعمر الطرقات في الصباح الباكر إلا الكادحون، العمال البسطاء، خصوصا عمال البناء المترزقين بعضلاتهم و أجسادهم. البعض منهم تحمله رجلاه إلى مقر العمل و البعض الآخر يركبون دراجاتهم، و هناك من تقلهم سيارات مشغليهم، تمر بهم في الصباح يعملون، و حين تمر بهم قبل غروب الشمس تجدهم لازالوا يكدون و يكدحون، ترى لماذا يرهقون أجسادهم كل هذا الإرهاق من أجل بعض الدريهمات لا تساوي ساعة واحدة من العمل تحت شمس الصيف الحارقة أو برد الشتاء القارس؟ إنها لقمة العيش، إنه الصراع مع الحياة لأجل البقاء، العمل من أجل العيش لا أقل و لا أكثر.

أمل هذا العامل الكادح ينتهي عند تحقيق الكفاية و ربما الكفاف بالنسبة للبعض ممن يعيلون أسرا متعددة الأفراد، إنه يبني و يشيد تلك المنازل ليسكنها غيره، إنه يقيم أوتادها و يرفع أعمدتها ليقيم فيها غيره، أما هو فلا يفكر في بناء سكن لنفسه كالذي يبنيه لغيره. إنها سنة الحياة، البعض يجوع ليأكل البعض الآخر، و البعض يبني ليسكن البعض الآخر، الذين اعتادوا الإفطار بالعصائر و الحلويات و يعملون تحت المكيفات رفقة كؤوس القهوة و الشاي لا يعرفون الصباح الباكر ، ينامون إلى ما بعد الثامنة و لا يصلون إلى مقر العمل في الوقت المناسب إلا من رحم الله، إنه لمن المحزن فعلاً أن ترى منظر عامل البناء المقهور و المستضعف، على الرغم من أعماله الجليلة و دوره الفعال في المجتمع، و لا يلبس من الثياب إلا القادرة منها على مقاومة الاحتكاك بالخشب و المسامير و الاسمنت، تجده مستيقظا في أولى ساعات الصباح الباكر …، بينما غيره ممن يتأنق و يتعطر و يرتدي أفخر الثياب يغط في نوم عميق في ذلك الوقت و هناك سيارة في انتظاره قرب باب منزله لتحمله إلى مكان عمله، أما السبت و الأحد فتجده في عطلة.
من واجبنا شكر جميع العمال وخصوصا عمال البناء على أنهم قبلوا و رضوا بواقعهم، و لم يهزوا أكتافهم استهزاء و ترفعا كما هو شأن الكثيرين منا، و إلا لولاهم لما كان بالإمكان أن نتصور الحياة على ما هي عليه الآن، و لما كانت هناك حاجة لصنع المفروشات و كل الأثاث و الأجهزة الإلكترونية التي تمتلئ بها بيوتنا، و لكان النجار و الصباغ و الرصاص و المهندس المعماري و كثير من المهنيين و الحرفيين في إجازة دائمة عن العمل، لأن أعمال هؤلاء جميعا وغيرهم تبدأ فقط بعد انتهاء عمل عمال البناء أو تكون بالموازاة مع عملهم، و لنا أن نتصور فداحة الخطأ الذي نرتكبه حين نحتقر عامل البناء والخطر الذي يتهدد الكثيرين جراء انتقاصهم من قيمة عامل البناء والتقليل من شأن العمل الذي يزاوله ويقوم به.
الناس يتحدثون عن المهندس الذي هندس بالقلم والمسطرة و خطط بعقله، لكنهم ينسون القوة التنفيذية التي ترجمت ما يجول في خاطر المهندس المعماري إلى عمل و بنيان قائم على أرض الواقع، فإذا كان المهندس منظرا فإن عامل البناء يطبق و ينفذ، و إن كان لا يستطيع أن يقوم بعمل المهندس و لا أن يحل محله…..، و لكننا مع ذلك نرى عامل البناء لا يعامل معاملة تليق بمقامه و لا ينال من الاحترام و التقدير ما يستحقه.

نادراً ما نجد من يتمنى أن يسوقه القدر و يرمي به في إحدى أوراش البناء يخلط الإسمنت بالرمل، و يحمل الطوب على الأكتاف، و ينزع المسامير من الأخشاب، و يستجيب لطلبات البناء، إنه عمل شريف يمارس في واضح الشمس و أشرف من تلقي الرشاوي أو الإتجار في المخدرات و سرقة أموال الناس بربطات العنق و ابتزازهم بالكراسي و المناصب،
ما هو حجم الفرق بين عامل البناء البسيط، الذي يعمل طوال النهار و يأكل بشراهة، لحاجته إلى الطاقة، و بيدين نصف مغسولتين أو ينقلهما من العمل مباشرة و هما مليئتان بالاسمنت و الرمل إلى الصحن الذي يأكل فيه، و بين الشاب الوسيم الذي استيقظ في منتصف النهار و هو يقف الآن في زاوية الشارع كعارض أزياء، تفوح منه رائحة عطر جميل، و رأسه يلمع سوادا من كثرة الدهن الذي تشبع به شعره، و وجهه لا يظهر عليه أثر لزغبة شعر واحدة، و السلسلة التي يلفها حول عنقه و الأخرى التي يلبسها بيده اليمنى، و الثياب الناعمة و الرقيقة التي يرتديها… كل ذلك يفسر شيئا واحدا، وهو أن المكان الوحيد الذي يليق بهذا الشاب الوسيم و أمثاله أن يتواجدوا فيه، هو أمام ذلك العمود الكهربائي الذي يستند اليه يراقب الغاديات و الرائحات و يرشقهن بالألفاظ الساقطة و المبتذلة. عامل البناء البسيط أفضل، و إن كانت يداه خشنتان و وجهه برونزيا و ثيابه رثة…
إلى كل عامل بناء… الذي لا يسمع أحد صوته، الذي لا يتوقف عن العمل في الليالي الباردة و السمائم الحارة، و متى توقف أو مرض أو استراح أو ذهب لإسعاد أبنائه و عائلته في الأعياد و المناسبات، لا يكسب قرشا و لا يتقاضى أجرا، فكلما قعد عن العمل أفلس، ليس من حقه أن يأخذ عطلة و لا إجازة و كأن حظه في هذه الحياة كادأن يتحول إلى طاحونة لا تنتج دقيقا إلا إذا أطعمتها قمحا و شعيرا.

إلى كل عامل بناء، المسحوق الذي تدوسه أرجل المحتقرين و المستهزئين، نرفع القبعات تحية، و نقول بحب و إجلال وإكبار: أنت الرجل المثالي ، أنت الكف و الساعد، أنتم – معشر العمال- البنيان و أنتم الأعمدة و القاعدة. أنتم كل شيء، و إن كنتم في نظر الذين يستأثرون بكل شيء لا شيء….. ؟؟؟!!!!!!!

وتحياتي لكل عمال البناء

Loading...