المغربية المستقلة : بقلم الدكتور / عبد الله شنفار
متابعة مهدوب إبراهيم
الديمقراطية كإحدى المطالب العامة، تحيل بشكل بسيط إلى بنية اختلاف، ومصالح متناقضة لعدة طبقات وشرائح اجتماعية، في إطار التنضيد الاجتماعي المنسجم أو المتنافر أو المتعايش، والذي يضم طبقات العمال، الفلاحين، التجار، المهنيين، الموظفين، المستثمرين، المثقفين…؛ فئات اجتماعية عديدة و متنوعة وذات مصالح متناقضة، تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل؛ أي قوى تستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للدولة، و هذه الأخيرة يبقى لها دور المنسق وخلق التسويات. وهنا فقط تكمن مشروعيتها كعنصر تنظيم ومواكبة؛ حيث تعمل على تأمين عمل جميع القوى العاملة داخل المجتمع.
لو افترضنا أن الحوار والانسجام تقوده أغلبية وأقلية، فالمفروض أن الحوار والتسويات والمساومات تأخذ طريقها حتى حدود لا يقبل فيها الطرف المعارض الحد الأدنى أو الأقصى من هذه التسويات والمساومات؛ آنذاك تقع القطيعة، فتفرض الأغلبية توجهاتها مما يؤدي إلى تهميش الأقلية المعارضة، حفاظا على ما اعتبرته الأغلبية مصالح عليا أو رأسمالا رمزيا.
وفي تحليل الخطاب والحوار بين مجموع الفاعلين ببلدنا، فإنه دائما ينصب في اتجاه الأقلية بالانتقاد وردود الفعل، أي نحو اتجاه واحد، لكن أبدا لا يوجه نحو نفس الأعضاء من نفس الأغلبية. وهذا ما يطلق عليه غياب عملية التقاطع في الحوار والتسويات وعملية التواصل بين القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة في السياسات العامة.
من خلال رصد تطور هذه القوى، يتبين أنها خضعت لسيطرة عدد قليل من الأسر الغنية، التي استحوذت على سلطة القرار. إلا انه لاحظ وجود عدة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، ناتجة عن النمو السكاني ومستويات التحضر والإنتاج و التصنيع وتنامي مستويات الوعي في صفوف؛ أدت إلى إعادة توزيع للقوة وسلطة النفوذ، وبروز قوى أخرى تساهم في بلورة القرار، إلى جانب العائلات الغنية التي كانت تحتكر السلطة، وهذه القوى تجلت في جماعات ونقابات العمال والطبقات الوسطى وغيرها، التي أصبح لها دورا فاعلا في تدبير الشأن العام، وعليه نستنتج انه ليس هناك أية فئة أو شخص محروم من سلطة القرار؛ فكل فرد أو فئة لها وزن داخل المجتمع ويساهم في اتخاذ القرار ويشارك فيه.
هذا ما يمكن أن نسميه السيطرة المجهولة على المستوى السياسي، والسيطرة المجهولة على المستوى الاجتماعي، بمعنى؛ أن الاقتصاد السياسي للدول الرأسمالية، في شكله يعطي الانطباع على انه ديمقراطي ومنفتح على الجميع وللجميع، القادر على دخول المخاطرة ويتيح اللحاق بمراكز القوة والجماعات والقدرة على التنافسية والمزيد من الاستقطاب.
أما على المستوى الاجتماعي، وحتى إن لم تكن هناك مساواة في الوصول إلى القمة، إلا أن غير المحظوظين تبقى لهم القدرة على الحشد والتعبئة للوصول على الأقل و الحصول، وتلبية بعض مطالبهم الاجتماعية في غياب العنف وسيادة الاستقرار؛ بحيث إن عدو المجتمعات الرأسمالية يبقى هو التناحر إلى ما لا نهاية، أو سيادة العنف الاجتماعي والسياسي، وهذا ما لا تسمح به هذه المجتمعات، بحيث تلجأ إلى عدم تهميش رأي الأقلية وتذويب ردود أفعالها؛ من خلال الحوار وخلق التسويات السياسية بين الأغلبية والأقلية و محاولة تجاوز الصورة النمطية المزيفة للسياسة الرأسمالية التي تستبعد الطبقات الغير قادرة على اللحاق بمراكز صنع القرار.
إن علاقة المنتخب بالسكان غالبا ما تكون مبنية على النفاق والكذب والمراوغة. وذلك ما يلاحظ من خلال الوعود الهائلة التي لا تتم تلبيتها بصفة مطلقة إلا في حدود المتاح من الموارد وفي اطار السياسة العامة المحددة سلفا اما من قبل الدولة أو من قبل الحكومة السابقة.
وهنا يلجأ المنتخب الى أسلوب التضليل في استراتيجيته التواصلية مع الساكنة. وأحسن صورة لهذا التضليل والخداع يتم حينما يتم اللجوء إلى عنصري السيطرة المجهولة سياسيا واجتماعيا من قبل الفاعلين الآخرين في عملية التفاعل والتواصل الاجتماعي من خلال رسم فكرة للقوانين والأنظمة من قبل أشخاص استطاعوا فرض هذه الفكرة، لمنع آخرين من المشاركة بشكل كامل في عملية صنع القرار وبلورته. وهنا تكمن مدى مشروعية القرارات المتخذة من قبل النخبة من خلال المبررات التي تضفى عليها.
مقتطف من كتاب: ( الفاعلون المحليون.. ) للدكتور عبدالله شنفار..
