أحبتي، هل تعلمون بوباء كاسح انطلق من الصين قبل حوالي سبعمائة سنة واكتسح العالم شرقه وغربه

المغربية المستقلة :مراسلة عبد الرزاق كارون.
بقلم الاستاذ الباحث ابراهيم كريدية

أحبتي، من غرائب التاريخ إن لم أقل من دروسه، أن بلاد الصين كانت في نهاية العصور الوسطى مصدر وباء فتاك كاسح اجتاح معظم العالم المعمور، ظهر بالصين سنة 734هـ/1334م ثم انتشر زاحفا في اتجاه بلدان الشرق والغرب، موقعا الآلاف من الضحايا على مدى خمسة عشر سنة، فشمل بفتكه بلدان الهند والسند وأفغانستان ومعظم أوربا والعراق والشام ومصر والجزائر والمغرب والأندلس، وصفه المقريزي بقوله ” لم يكن هذا الوباء كما عهد، في إقليم دون إقليم، بل عم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم ،حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر”، ومن أعراض هذا الوباء، أن المصاب به يحس بثقل في صدره وضيق في التنفس وبصق للدم مع عطش شديد وسعال وسواد في اللسان وتورم في الحلق يصعب معه بلع الطعام واختناق، وبعد ذلك يموت بعد يومين أو ثلاث، ومن كثرة قتلاه في الحواضر والبوادي بمختلف المناطق التي مر منها، أطلق على هذا الوباء أسماء وأوصاف، تفضح شدة قسوته وحجم عدد ضحاياه، ومنها “الوباء العام” و”الفصل الكبير” و”سنة الفناء” و”الطاعون الأعظم” و”الموتان”، وسمي في أوربا ب “الطاعون الأسود la peste noire” و”الموت الأسود mort noire”، وقد وصل هذا الوباء إلى بلاد المغرب سنة 749هـ/1348-49 م، أي في السنة الأولى التي تسنم فيها السلطان المريني أو عنان حكم المغرب (1348-1358)، وقد عاصره المؤرخ العلامة ابن خلدون (733-809هـ/1332-1406م) وبسببه فقد عائلته وعدد من شيوخه، وفيه يقول : “ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول … فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقص عمران الأرض بانتفاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن”.

Loading...