الوعد : بقلم الكاتبة و الممثلة : نورا الولتيتي

المغربية المستقلة: بقلم  الكاتبة و الممثلة : نورا الولتيتي

لا أعرفُ إلا الغابة. .فمنذُ أن فتحتُ عيناي وجدتُ نفسي في الغابةِ. .مصدر عيشي الوحيد هو الغابة. .أعيشُ على لحمِ القنصِ و الصيدِ و أشربُ ماء النهر ، إنَّ الجميع ينادونني ‘ الرجل الوحش ‘ لأنني فعلاً أشبهُ الوحش ، إنَّ هيئتي ترعبُ الأطفال لشدَّة غرابتها. .و مع ذلك أنا طيِّبُ القلب . وُلِدْتُ من أبٍ غجري و أمٍّ تركمانية من أصولٍ تركيةٍ ، مات أبي أثناء الحرب قبل أن أولد و أسمتني أمِّي ‘ كارا ‘ ، و هو اسم تركي يعني ‘ الأسود ‘ لأنني أسود البشرة ، و لعلَّ أنَّ أمي هي المخلوق الوحيد الذي أحبَّني فعلاً رغم غرابتي. .

ماتت أمي و أنا في عمرِ الرابعةِ ، و منذُ ذاك ألفتُ العيش لوحدي ، و أمهرتُ الصيد و القنص و أنا في عمرِ السادسةِ ، و كبرتُ و أصبحتُ أكثر صلابة و قوَّة و صرتُ أصارعُ الخنازير فأنتصرُ عليها ، و كانت مصارعتي للحيوانات الضخمة تجلبُ لي رزقاً كثيراً ، حيثُ كان بعضُ الوافدين إلى الغابةِ من الأجانبِ يعطونني مالاً كثيراً. .فيجعلونني أصارعُ الخنازير و الثيران ، و لقد فارقتُ الغابة و صرتُ أعيشُ بين الناس ، و لكن خوف الناس و نفورهم مني جعلني دائماً أشعرُ أنَّهُ ليس من حقي العيش بين الناس العاديين ، و أنَّ المكان الوحيد الذي أستطيعُ أن أعيشُ فيهِ بحريةٍ هو الغابة. .حتَّى أنَّ بعضَ الناس كانوا على يقينٍ أنَّ موت مواشيهم بسببي ، و جفاف الماء من الأبارِ و الأنهارِ بسببي ، و كحط الحقول أيضاً بسببي. . .و أنَّ الحلَّ الوحيد لكي تعود الطبيعة إلى ما كانت عليهِ من وفرةٍ و خيرٍ و ينتهي هذا البلاء هو قتلي. .و لذلك فقد حملوا أهل القرية فؤوسهم و هجموا عليَّ ذات يوم عازمين أمرهم على قتلي و التخلُّص منِّي ، لكنني تمكَّنتُ من الهربِ و عُدْتُ إلى الغابةِ. .لقد كدتُ أن أُقتل لأنني حاولتُ العيش بين الناس ، و منذُ ذاك أيقنتُ أنني خلقتُ لأعيشُ في الغابةِ . و لقد قطعتُ أشجار الغابة و بنيتُ بيتاً كبيراً من الحطبِ إستغرقني أعوام ، و كنتُ كُلَّ ليلة أسمعُ عزفاً جميلاً قادماً من النهرِ يوقظني من النومِ ، و ذات ليلة نهضتُ من فراشي و توجَّهتُ صوب النهر. .فرأيتُ فتاة جميلة جالسة تحت شجرة على ضفافِ النهرِ خافضة رأسها تعزفُ على كمانها. .فظللتُ أراقبها من بعيدٍ حتَّى أفرغتْ من العزفِ و دخلتْ في جوفِ الشجرةِ ، و كنتُ أراقبها كُلَّ يوم و هي تدخلُ و تخرجُ من جوفِ الشجرةِ ، و مرَّتْ ريحٌ عاتيةٌ ذات يومٍ و أسقطتْ شجرتها ، و لقد سمعتُ الفتاة تبكي و تصرخُ. .فذهبتُ إليها و عرضتُ عليها العيش في منزلي ، لكنها رفضت ذلك. .لكنني توصَّلتُ إلى إقناعها أنَّ بإمكانها أن تفعلُ ما تشاءُ في بيتي كأنني غيرَ موجودٌ ، و بإمكانها أن تعزف الموسيقى متى شاءت. . و في أثناءِ النوم ستنامُ هي في البيت و سأنامُ أنا فوق السطحِ ، و أخيراً إقتنعت الفتاة بالفكرةِ و جاءت لتعيشُ معي في البيتِ ، و لقد توصَّلتُ لمعرفة اسمها. .لقد كان اسمها هو ‘ نوار ‘ .

ظللنا أنا و ‘ نوار ‘ نعيشُ كما اتَّفقنا مدَّة من الزمنِ كنتُ خلالها أنامُ فوق السطحِ و ‘ نوار ‘ تنامُ في البيتِ ، و جاء فصل الشتاء ببردهِ. .فرقَّ قلب ‘ نوار ‘ لحالي و عرضت عليَّ أن ننامُ معاً في البيتِ و نعيشُ كأيِ إنسانانِ عاديانِ ، و بالفعلِ صرتُ أنامُ مع ‘ نوار ‘ في البيتِ و أحاولُ أن أعيشُ عيشة الإنسان العادي. .ذلك ما عجزت دونه ، و كم كانت ‘ نوار ‘ تزعجها تصرُّفاتي التي لا تشبهُ تصرُّفات الإنسان أبداً. . .! ، و ذات ليلة سمعتُ ‘ نوار ‘ تبكي و تتذمَّرُ. .فسألتها عن سبب بكائها و تذمُّرها و أجابتني : « إنني أريدك أن تكون إنساناً عادياً ، و لكن تصرُّفاتك لتزدادُ سوءاً و انحطاطاً. .»

و كم أوجعني كلام ‘ نوار ‘. . .! فقد أدركتُ لأول مرَّة مدى وحشيتي و الإزعاج الذي أسبِّبهُ لنوار بسببِ تصرُّفاتي التي تشبهُ تصرُّفات الوحوش ، و عندئذٍ حكيتُ لها حكايتي الحزينة. .فقالت : « سوف أعلِّمك كيف تصبحُ إنساناً. .و علِّمني الصيد و القنص. .»

و مرَّتْ الأيام و أصبحتُ إنساناً عادياً بفعلِ إرشاداتِ ‘ نوار ‘ و تعليماتها ، و أصبحتْ ‘ نوار ‘ تمهرُ الصيد و القنص ، و مع مرور الأيام أصبحتُ لا أستطيعُ إخفاء إعجابي بنوار ، و ذات يوم طلبتُ منها الزواج ، و كان جوابها غريباً. .قالت ‘ نوار ‘ : « إذا كنت تحبني و تريدني زوجة لك. .فهناك شرطٌ صعبٌ عليك تنفيذه. .»

قلتُ في دهشةٍ : « و ما هو هذا الشرط. . .! »

أجابت ‘ نوار ‘ : « في جزيرةٍ مهجورةٍ منذُ آلاف السنين يعيشُ تنيناً ضخماً ، و كان هذا التنين يخطفُ العرائس من أزواجهنَّ يوم زفافهنَّ. .فيأخذهنَّ إلى جزيرتهِ و يحرقهنَّ و ينجبُ أبنائه من رمادهنَّ. .و لقد هربتُ ليلة زفافي من ابن أحد الأمراء و جئتُ لأعيشُ في هذهٍ الغابة كي لا أصبحُ عروساً للتنين. . .عليك أن تبحرُ إلى جزيرةِ التنينِ و تصارعه. .فإن انتصرت عليه و قتلته سوف أكون زوجةً لك ، و إن انتصر عليك التنين و قتلك سأكون عروساً للتنين. .»

وافقتُ على شرطِ ‘ نوار ‘ ، و لقد قطعتُ أشجار الغابة و صنعتُ سفينة إستغرقني صنعها أربعة أشهر نهارا و ليلاً. .فحملتُ سيفي و الطعام الكافي ، و ركبتُ السفينة و أبحرتُ لشهر كامل في الظلامِ و الضبابِ إلى أن وصلتُ إلى ‘ جزيرةِ التنينِ ‘. .فترجَّلتُ من السفينةِ ، و أخذتُ أبحثُ عن التنينِ في الجزيرةِ إلى أن وجدتهُ. .فشهرتُ سيفي في وجههِ و أخذتُ أحاربهُ ، و استمرَّت المعركة بيننا عام كامل بيدما النصر كان من نصيبي في النهايةِ ، و لقد قتلتُ التنين و قطعتُ رأس الوحش . و عندما كنتُ عائداً إلى موطني غرقتْ بي السفينة وسط البحر. .فوجدتُ نفسي وسط قوم غرباء. .قوم حمر البشرة ، يلبسون الريش و يذهنون وجوههم بألوانٍ غريبةٍ ، و يعيشون في بيوتِ ‘ الساموراي ‘. .فلما شاهدوني ركضوا إليَّ. .فقبضوا عليَّ و هيؤوا نار عظيمة كادوا أن يرمونني بداخلها لولا أنهم لا يملكون مثل هذا الحقُّ إلا أن حضر أحدهم يسمونه ‘ الملك ‘. .و جاء ‘ الملك ‘ و جنوده ، و رأيتُ هؤلاء القوم المتوحِّش يضربون على الدُفوفِ و يرقصون فرحاً سعداء بإحراقي. .و في اللحظةِ الأخيرةِ التي تفصلني عن النارِ جاءت فتاة منهم سمراء البشرة ، جميلة الشكل ، تلبسُ ريشاً أخضراً. .فأحاطتني بذراعيها و منعت قومها من إحراقي. .ثم تكلَّمت الفتاة مع الرجل المدعو ‘ الملك ‘ بلغتهم ، و على الفور آمر ‘ الملك ‘ بنقلي إلى السجنِ ، لقد كان يبدو أنها فتاة محبوبة عند قومها .

احتجزوني في السجنِ ثلاثة أيامِ ، و في صباحِ اليومِ الرابع جاءني ‘ الملك ‘ ، و عرض عليَّ الزواج من ابنتهِ التي أنقذت حياتي و حينئذٍ يمكنني العيش بينهم كواحد منهم ، و إلا آمر بإحراقي من جديدٍ .

أجبتهُ : « لا يمكنني الزواج من ابنتك يا سيدي حتى و إن كان الثمن إحراقي ، لقد أحببتُ فتاة من قومي و واعدتها بالزواجِ ، فكيف أخلف وعدي. . .؟ »

قال الملك : « إنَّ الوعدَ عندنا مقدَّس. .إذهب إلى قومك و تزوَّج الفتاة التي أحببت. . .! »

أعدُّوا إليَّ أولئك القوم سفينة كبيرة يقودها عشرة رجال أقوياء ، و خرجوا جميعهم رجالاً نساءاً و أطفالاً لتوديعي بأشهى ما لديهم من طعامٍ ، و لقد رافقوني رجالهم إلى أن بلغتُ موطني ، و هكذا أصبحت ‘ نوار ‘ زوجتي .

Loading...