دور رجل السلطة في النسق الاجتماعي والسياسي والثقافي المغربي المعاصر…مؤسسة القائد والباشا نموذجا: بقلم الدكتور عبدالله شنفار
المغربية المستقلة : بقلم د / عبد الله شنفار
متابعة مهدوب ابراهيم
– ما هو الدور الذي تلعبه مؤسسة القايد والباشا في المجتمع المغربي؟
– ما هو الفرق بين قائد وباشا الامس وقائد وباشا اليوم؟
كيف يتمثل المواطن مؤسسة القائد والباشا في المتخيل التمثلات الاجتماعية؟
– هل تم تجاوز الصورة النمطية التي تجعل من هذه المؤسسة احتكارا فقط للسلطوية كخلل عام في العلاقة بينها وبين المواطن؟
– هل تم تجاوز عناصر الخلل التي كانت تسود من قبل في علاقة هذه المؤسسة بالمواطن؟
– ما هي صور نكرات الذات المؤسساتية التي يتميز بها هؤلاء من خلال العمل في صمت؟.
صحيح هناك تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وحقوقية عرفها المجتمع المغربي. غير ان نظرة المواطن المغربي وإعطائه الأسبقية للحق على القانون بأبسط الوسائل وبعيدا عن التعقيدات والإجراءات والمساطر القضائية، بحيث إن العديد من القضايا والمشاكل الكبرى، والتي يمكن أن تأخذ سنوات لو عرضت أمام المحاكم؛ يتم حلها والبث فيها على مستوى القايد والباشا بالسرعة والدقة الكبيرة واللازمة.
من خلال استحضار هذا الحوار للأستاذ محمد ضريف الذي ورد في كتابه النسق السياسي المغربي المعاصر؛ حيث انه في معرض محاورة له لأحد المنتخبين وهو رئيس سابق لجماعة عين حرودة، قال له: ما رأيك في القايد اليوم والقايد بالأمس؟ أجاب هذا المنتخب أن القايد “بكري ” ، كلمة نقولها للتعبير عن الزمن في الماضي، هو قايد الأمس الذي يعطيك حقك على التو حينما تلجأ إليه، أما قائد اليوم؛ فحين تذهب إليه يقول لك: هذا ليس من اختصاصي! فاستطرد الأستاذ ضريف بالقول: لكن هذا شيء منطقي وطبيعي؛ إنه فصل السلط!؟ فرد عليه المنتخب – الرئيس قائلا؛ وهو يلمح بأسبقية الحق على القانون: وماذا عساني أفعل بأرض لبثث يوما أو ليلة عند مغتصبها؟! مشبها الأرض بالمرأة”.
من هذه المنطلقات والعناصر يمكن مقاربة هذا الموضوع الذي تكمن أهميته في تبيان دور احدى المؤسسات المحورية في المجتمع المغربي المعاصر.
يعين القايد والباشا بمقتضى ظهير ملكي؛ ويخضع لمقتضيات الظهير الشريف رقم 67-08-1 صادر في 27 من رجب 1429 (31 يوليو 2008) في شأن هيئة رجال السلطة؛
ولتحليل دور رجل السلطة على المستوى المحلي كممثل للسلطة المركزية؛ ننطلق أولًا من طرح السؤال الوجودي التالي، حول ما هو المقصود بفئة رجال السلطة؟
ونجيب على انه نقصد في هذا الاتجاه برجال السلطة، وبشكل هرمي الفئات التالية؛ ومن خلال القانون المنظم لهيئة رجال السلطة، الذي وضع هيكلة جديدة لهذه الفئات من المجتمع المغربي، في هذا الموضوع؛ تابعين لوزارة الداخلية؛ هيئة رجال السلطة تضم أربعة أطر، موزعة على الدرجات التالية:
1. إطار العمال، ويضم درجة عامل ممتاز ودرجة عامل؛
2. إطار الباشوات، ويضم درجة باشا ممتاز ودرجة باشا؛
3. إطار القواد، ويضم درجة قائد ممتاز ودرجة قائد؛
4. إطار خلفاء القواد، ويضم درجة خليفة قائد ممتاز ودرجة خليفة قائد من الدرجة الأولى ودرجة خليفة قائد من الدرجة الثانية.
هذه الفئة باستثناء الخليفة الذي يتمتع بصفة عون شرطة قضائية، لهم صفة ضابط شرطة قضائية طبقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية. غير أنهم بالنظر لقربهم واحتكاكهم اليومي من المواطنات والمواطنين، يفضلون تسوية الاوضاع بطرق الدهاء والحنكة وضبط النفس بعيدا عن استعمال هذه الصفة كامتياز قضائي خول لهم، والتي تقتصر في الغالب على مجال بعض المخالفات والجنح؛ على الرغم من مطالبة المصالح المركزية وحتهم على ممارسة السلطة الضبطية.
هذا، وعملا بمقتضيات القانون المنظم لهذه الفئات؛ يحتم عليهم:
– عدم الانتماء إلى حزب سياسي أو منظمة نقابية؛
– عدم الانقطاع عن العمل المتفق بشأنه؛
– القيام بمهامهم ولو خارج أوقات العمل العادية؛
– التزام الانضباط والتقيد بواجب التحفظ واحترام السر المهني ولو بعد انتهاء مهامهم؛
والقائد و يكون على رأس قيادة بالعالم القروي؛ والقيادة او الملحقة الادارية القروية هي تقسيم إداري مرتبط بالمجال القروي يسمح للدولة بالتوفر على موقع متقدم داخل المجال القروي. وهذه الوحدة الادارية هي التي كانت في عهد الحماية الفرنسية تسمى بمكتب شؤون الأهاليBureau des affaire indigènes” احتفظت بها الدولة حتى بعد الاستقلال على نفس الهيكل الإداري. وبطبيعة الحال مع اضافة قيادات اخرى تماشيا مع التزايد السكاني.
هذا، ويمكن تصنيف هؤلاء الى ثلاثة فئات من حيث مسار ومسلسل التكوين للوصول الى اسلاك السلطة:
الفئة الاولى: وتسمى السلك العادي لرجال السلطة يجتازون مباراة الولوج للمعهد الملكي للإدارة الترابية المفتوح في وجه المغاربة الذين تتوفر فيهم الشروط المحددة والمطلوبة من الذكور والإناث، الكائن مقره كمدرسة لتلقي مختلف التكوينات والتدريب الميداني الإداري والعسكري بالقاعدة العسكرية الثالثة للقوات المسلحة الملكية بمدينة القنيطرة.
هذا، وقبل ولوج المعهد الملكي للإدارة الترابية يخضعون لعملية انتقاء وعملية فرز واختيار حسب مستوى التكوين والميزة المحصل عليها في سنوات الاجازة؛ التي لا تقل عن أربع ميزات أو شهادة الماستر أو شهادة الدكتوراه او ما يعادل هذه الديبلومات. يعني اختيار نخبة وصفوة متميزة من حيث مستوى التكوين العالي.
وبعد ذلك يخضعون لاجتياز امتحان كتابي باللغتين العربية والفرنسية. وبعد اجتيازه بنجاح يمر المرشح من اجتياز امتحان مقابلة شفوي تحت اشراف لجنة مختلطة مكونة من استاذ جامعي وممثل وزارة الداخلية والي او عامل وجنرال وضابط تابعين للقوات المسلحة الملكية.
بعد ذلك يخضع هؤلاء المتفوقين في الشفوي لاختبار البسيكومتري الذي يعتمد التركيز على المعنويات والسلوكيات المزاجية للمرشح والقدرة على الفعل وردة الفعل لدى المرشح، وهو اصعب مرحلة قد يمر بها كل من يرغب في ولوج المعهد الذي لا يختلف في شيء عن المدارس والمعاهد العسكرية العالمية من حيث مستويات التدريب والتكوين من اجل التأهيل لمهام مستقبلية جد صعبة ومرتبطة بتدبير وتأطير الأفراد والجماعات وتأهيل وتهيئة المجال الترابي. وممارسة السلطة والقيادة.
يلي ذلك فحص طبي صارم ومرحلة تجريب صارمة ايضا ومتطلبات النجاح واجتياز امتحانات وإعداد تقرير التخرج بمثابة رسالة تعادل الماستر في نهاية الدروس بعد سنتين من التكوين عند التخرج.
لكن قبل ولوج المعهد الملكي للإدارة الترابية، يخضع هؤلاء المرشحين كذلك لبحث اجتماعي يروم السوابق القضائية ومستوى السلوك ومدى توفر شرط المروءة والاخلاق في المعني بالأمر الذي تقوم به جهات محايدة حول المعنية او المعني بالترشح لولوج المعهد الملكي.
بعد ذلك يلجون المعهد ويقضون سنتين من التكوين الاداري العالي المستوى، كانت في السابق ثلاث سنوات، تتخلله تدريبات ميدانية، والعمل الفعلي بمختلف العمالات والاقاليم وبالإدارة المركزية لوزارة الداخلية والقيام بزيارات ميدانية لمختلف المصالح الحيوية التابعة للدولة وتكوينات عسكرية مكثفة وصارمة تروم التكوين وتنمية القدرات الجسمانية والفكرية لدى هذه الفئات.
بعد دلك يتخرجون كضباط احتياط تابعين للقوات المسلحة الملكية، وبعد أدائهم للقسم أمام جلالة الملك كسائر الضباط خريجي المعاهد والمدارس العسكرية والشبه العسكرية العليا؛ يوضعون رهن اشارة وزارة الداخلية بعد تلقي تكوين مماثل للذي يتلقاه ضباط الاكاديمية الملكية بمكناس.
الفئة الثانية: وتسمى السلك الخاص لرجال السلطة؛ الولوج مفتوح فقط في وجه الموظفين المتصرفين التابعين لوزارة الداخلية والذين قضوا ازيد من عشر سنوات من الخدمة الفعلية فما فوق. غير انهم يتلقون تكوينا بسيطا جدا للاستئناس بالسلطة لمدة ستة اشهر الى ثمانية اشهر، يكون الهدف من هؤلاء سد الخصاص المسجل على وجه الاستعجال. غير ان تجربة هؤلاء جمدت من قبل وزارة الداخلية.
الفئة الاخرى: هي التي وصلت ولوج اسلاك السلطة عبر الاقدمية او لوضع معين واستثنائي وخاص إما لكفاءتها او لمركزها الاجتماعي أو القبلي والعائلي.
هذا، ويمارس رجال السلطة اختصاصا يعتبر محور جميع تدخلاتهم وهو مجال الشرطة الادارية من خلال المنع والإذن والأمر؛ من اجل الحفاظ على الصحة والسلامة والسكينة والطمأنينة وتحقيق الأمن للمواطنين.
دور رجال السلطة لا يقتصر فقط على هذا، بل يتعداه الى غير ذلك، حيث يسهر القائد والباشا، تحت سلطة ومراقبة العامل، على تنفيذ القوانين والأنظمة الجاري بها العمل والقيام بالعديد من الوظائف؛ حيث يعتبران ممثلان للسلطة التنفيذية داخل دائرة نفوذهما، وهذه التمثيلية تجعل منهما مسئولان مسؤولية مباشرة عن المهام المتعلقة بحفظ النظام العام، وكذا التنظيم العام وتأطير السكان اثناء حالة الحرب والكوارث الطبيعية؛ كالزلازل والأمراض والفيروسات التي تتفشى وتنتشر في بعض الأحيان والحضور والتواجد الفعلي لتأطير المظاهرات والاحتجاجات في الشارع العام والطرقات وامام مختلف المؤسسات والتظاهرات الفنية المسابقات واللحاقات الرياضية. ومساعدة مختلف الفاعلين في سعيهم لتحقيق وسائل العيش المستدام عبر برامج التوعية والإدماج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وعمليات افطار رمضان والمساهمة في احصاء ومساعدة قاطني دور الصفيح والأشخاص في وضعية صعبة من تجاوز تلك المحن في إطار السياسة العامة للدولة.
كما ان السهر على مختلف عمليات حفظ النظام العام والأمن العمومي على مستوى النفوذ الترابي للإيالة، يجعله يتدخل من خلال مختلف الاختصاصات المتعلقة بالتنسيق وبالعلاقة مع المنتخبين؛ كصلاحيات سلطة الوصاية والمواكبة والمراقبة والتتبع والتنسيق؛ المخولة للسلطة الإدارية بمقتضى القانون التي تهدف إلى السهر على تطبيق المجالس الترابية وأجهزتها التنفيذية للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل وكذا ضمان حماية الصالح العام وتأمين دعم ومساعدة الإدارة.
هذا، ويلعب التنسيق دورا أساسيا في الجهاز الاداري للدولة، الذي يقوم به رجل السلطة؛ اذ يتوقف عليه مدى فعالية المرافق العامة، بحيث هو عملية تكثيف للجهود سواء داخل المرفق الواحد او على مستوى جميع المرافق. فالنسق يفرض نوعا من التكامل والانسجام بين مجموع الفاعلين وأطراف اللعبة. فحينما نتحدث عن نسق إداري، فإنه يفرض التكامل والتعاون بين عدة نشاطات مختلفة تعمل في تنسيق محكم فيما بينها.
فهل يمكن الحديث عن نسق إداري في المغرب يهدف خدمة اتجاه واحد وهو الصالح العام؟
ان التنسيق يمكن النظر إليه من خلال عدة زوايا يمكن حصرها قيما يلي:
– على المستوى الأفقي؛ أي العلاقة على مستوى العقليات في نفس النشاط أو المرفق، بحيث مجموع الأنشطة الإدارية لها قطب واحد يضمن لها الانسجام والتكامل.
– على المستوى العمودي؛ التكامل والانسجام يعني العلاقة المتواجدة بين مختلف مكونات الجهاز الإداري في وعلى نفس مستوى التسلسل الإداري.
– على مستوى العدد؛ نجد العديد من المرافق في شكل وزارات مثلا، العدل، الداخلية، الفلاحة، السياحة، البيئة… يتدخلون للإشراف والتأطير.
– على مستوى الاختصاص؛ كل في إطار اختصاصه، إلا أن هناك تداخل الاختصاص الذي يفرض التنسيق والتعاون والتشاور فيما بينها.
– على مستوى الاستقلالية؛ فهي ليست أشخاصا معنوية متمتعة بالاستقلالية، ولكن عملها يهدف خدمة المجتمع ككل.
هذا، بالإضافة الى اختصاص مسك ملفات: التغطية الصحية “RAMED”. وملفات الجمعيات والتعاونيات والنقابات، وتنظيم العمليات الانتخابية والاستفتاءات، والنقابات المهنية وملفات حوادث الشغل. والخدمة العسكرية الاجبارية. وتسخير الاشخاص والممتلكات لخدمة المصلحة العامة، وممارسة شرطة القنص البري، وتلقي طلبات الحصول على جوازات السفر. ومراقبة اللوحات الاشهارية وعبارات اليافطات قبل تعليقها ولوحات اشهار الاثمنة. وتنظيم ومراقبة الاتجار في المشروبات الكحولية او الممزوجة بالكحول؛ وتنظيم الباعة المتجولين بالساحات والطريق العام ومراقبة الاسلحة، وتنظيم الامور المتعلقة بالمهن الحرة البسيطة وتنظيم ومراقبة الاسلحة واستيرادها والذخيرة والمتفجرات وترويجها واستعمالها وإيداعها وحملها وبيعها. وتسليم بعض الشواهد والرخص كالسكنى والاقامة والعمل وعدم العمل بالنسبة للقطاعات الغير المنظمة وتنظيم الحفلات والمطاحن والمقالع واستخراج المعادن التقليدية، وقرارات ايداع المختلين عقليا بالمصحات الاستشفائية وتهيئة وتنظيم المجال وسلطة الوصاية على الأراضي السلالية والجماعية وحماية ممتلكات الدولة… وغيرها من الاختصاصات الواسعة الموزعة عبر عدة نصوص وقوانين تنظيمية ودوريات وزارية ومنشورات مشتركة بين مختلف الوزارات؛ التي تطال وتشمل الأعمال الادارية المنوطة بهم في مراقبة البناء العشوائي والغير قانوني.
إن تحقيق الأمن والسكينة والطمأنينة من خلال هذه المهمة الشريفة التي يقومون بها عبر التبليغ عن المجرمين والمافيات والإرهابيين والمتطرفين ومختلف الجرائم من مخالفات وجنح وجنايات ومحلات الدعارة ومروجي المخدرات والتهريب وتكوين العصابات الاجرامية وممتهني النصب والاحتيال وتزييف العملة الوطنية وأوكار الفساد وعقد الاجتماعات السرية المراد بها زعزعة الأمن والنظام داخل البلد وحيازة الاسلحة بدون موجب قانوني او ترخيص مسبق والإقامة غير القانونية بالنسبة لبعض الأجانب والمتملصين من دفع الضرائب والمتراميين على الملك العمومي واللصوص وذوي السلوك المشبوه فيهم والمحضرين لأعمال تخريبية او عرقلة السير العادي للمرافق العمومية… وغيرها من المهام التي تدخل في الاختصاص العام الموكول لرجال السلطة وممثلي الدولة. جعلتهم يتمتعون بالحماية القانونية التي تكفلها الدولة لموظفيها بمناسبة أدائهم لمهامهم الصعبة والمكثفة، والقرب اليومي من هموم المواطنات والمواطنين وحل مشاكلهم الاجتماعية دون وصولها لردهات المحاكم: كحل النزاعات المتعلقة بالمسالك الطرقية والحدود والجوار والتسبب في الضرر للغير ومختلف النزاعات الاجتماعية بين شرائح المجتمع، من خلال ما يتوفرون عليه من شبكة علاقات الاجتماعية التي ينسجونها بحكم موقعهم الاجتماعي والإداري.
هذه باختصار جد كبير بعض من المهام التي يزاول القايد والباشا؛ في إطار نكران الذات المؤسساتي، وتجاوز الصورة النمطية التي تختزل هذه المؤسسة في احتكار العنف أو السلطة كخلل عام في علاقة الدولة بالمواطن، والتي أصبحت متجاوزة في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها بلدنا المغرب.
