المالمغربية المستقلة : بقلم الكاتبة و الممثلة هالة السنتيسي

إنني أنا على صفاتي و شكلي إنسان قبيح الملامح و الناس كلّها تعيبني لقبح ملامحي و شكلي. .بل إنَّ ملامحي القبيحة تبعث السخرية و الضحك في أنفسِ من شاهدوني ، و لكنني أبقى إنسان لنبل نفسي لا لشكلي و لذلك الإنسان الجميل الذي بداخلي ما يعظِّمه من مشاعرِ الحبِ و الجمالِ ، إنَّ الإنسان هو الذي بداخلنا و ذلك الإنسان هو الذي يحدِّدُ النبل و القبح فينا. .أما ما تراهُ أعيننا من صفاتٍ جسديةٍ لم يشوِّهُ حقيقة الروح أو ينقص من قيمةِ الإنسانِ الجميلِ الذي بداخلنا مهما بلغَ من درجاتِ القبحِ و التشوَّهِ. .غيرَ أنَّ الإنسان الذي كان في اعتقادي على أنه الإنسان الكامل و أنا في المدرسةِ الإبتدائيةِ هو ذلك الإنسان الذي يملكُ صفات جسدية كاملة لا ذلك الإنسان الذي يملكُ نفساً نبيلةً ، و لقد كان زملائي يسخرون مني لديمومتي ، و كنتُ أبغضهم لهذا السبب و ألقي الَّلومُ على نفسي لقبح خليقتي ، و لعلَّ أنَّ ذلك أفسحَ لي المجال للعزلةِ و الإنطواء على النفسِ ، إنَّ نقصي اتجاه أقراني كان يشعرني دائما أنني لستُ بالإنسانِ الكاملِ ، و ذات يوم عدتُ إلى ‘ راسيكا ‘ و هذا اسم المرأة التي ربتني أبكي و رحتُ أشكي لها أنِّ زملائي في المدرسةِ قد سخروا مني و شبهوني بــ ‘ الطفلِ القردِ ‘ حيثُ أنني قصير القامة ، أسود اللون ، غليظ الشفتين ، طويل الأذنين ، ضخم الرأس ، ضيق الجبهة ، مفنطح الأنف. . .فإذا هي تجيبني مع ابتسامة خفيفة : إنَّ الأطفال لا يسخرون من القردِ يا صغيري ما بالهم يسخرون منك. . .؟ لعلَّك تمتلك قلباً طيباً يهفو إلى الحبِ و الجمالِ. .و لقد امتنعتُ صبيحة اليوم التالي على الذهابِ إلى المدرسةِ فقط لأتجنَّبُ سخرية زملائي مني ، و تطوَّعتُ من تلقاءِ نفسي أن أجلبُ الأحجار الثقيلة على ظهري من قاعِ النهرِ و أرتِّبها فوق بعضها جنب الكوخ ، حيثُ تشكِّلُ بذلك ذرعاً يحمي الكوخ من السقوطِ أيامِ البردِ التي كنا نوشك أن نعيشها ، لقد كانت ‘ راسيكا ‘ هي التي تقوم بهذا العمل في أوقاتِ فراغها ، لكنني تطوَّعتُ أن أقوم بهذا العمل الشاقُّ و المضني لأهربُ من الذهابِ إلى المدرسةِ ، فلما شاهدتني ‘ راسيكا ‘ أحملُ حجرة ضخمة على ظهري من قاعِ النهرِ فأمشي بها مسافة طويلة لأضعها جنب الكوخ و أعودُ لأحمل الأخرى و هكذا بلا تعب. .جاءتني بصينيةٍ بها ما توفرَ في الكوخِ من الطعامِ مع كسرة من الخبزِ و جلستْ قرب النهر تنتظر خروجي من الوحلِ ملطخاً بالطينِ أحمل على ظهري حجرة ثقيلة ، حيثُ كانت المياه قليلة في النهرِ و اختلطت بالترابِ فصار َ المكان وحلاً يصعبُ المشي عليه بالأقدام ، و بدأت ‘ رسيكا ‘ تنادي : هيوزو. .هيوزو. .لقد جئتك بالطعامِ يا صغيري تعالَ لنأكلُ معاً. .و عندما سمعتُ صوت ‘ راسيكا ‘ يصيحُ بي بدأت أسرع خطواتي و قد تعثرت أقدامي في الطينِ المبلِّلِ فانتزعت الحجرة الضخمة التي كنت أحملها من يداي و التطمت بظهري فسببت لي بعض الجروح و سقطتُ على الأرضِ. .
هرعت راسيكا تجري عندما شاهدتني راقداً على الأرضِ و الحجرة فوق ظهري ، ثم حملتني بين ذراعيها إلى الكوخِ و ساعدتني على الإستواءِ فوق سرير مجرد قطع من الحطبِ مرتَّبة إلى جانبِ بعضها مغطاةٌ بلحافٍ مهترئ. .و على الفورِ ربِطتْ ظهري بزيفٍ مع بعض الأعشاب التي ذهنت بها مكان الجروح ، و لقد ذاقت معي المسكينة أقصى العذاب حتى أَصْلَحَتْ ظهري و عادتْ لي القدرة على المشي من جديدٍ ، حيثُ سهرتْ معي الليالي و أنا أبكي و أتلوى في فراشي من الألمِ الذي يعتملُ في ظهري ، و كانت ‘ راسيكا ‘ كُلَّ ليلة تجلس قرب سريري و تحاولُ إخلادي إلى النومِ ، حيثُ تقصُّ عليَّ بعض القصص و الحكايات التي تعرفها إلى أن أشعرُ بالنعاسِ فتقول مع نفسها : آه يا صغيري المسكين قد نام. . .و تنام جالسةٌ على مقعدها حيثُ أنَّ الكوخَ لم يكن يحوي إلا سريرٌ واحدٌ و هو الذي كنت أنام عليه أنا. .و في كثيرٍ من المرَّاتِ لم يكن ينتابني النُعاسُ من شدَّةِ الوجع لكنني أغمضُ عيناي و أصنع بنفسي ناعساً كي لا أجعلُ ‘ راسيكا ‘ تحسُّ بمزيدٍ من التعبِ اتجاهي ، و ذات ليلة قصَّتْ عليِّ ‘ راسيكا ‘ قصة أوجعت قلبي و هي تحاولُ إخلادي إلى النومِ ، و القصة هي :
في أحدِ الأيامِ ذهبتْ امرأة بنغالية إلى الغابةِ لتجمعُ الحطب ، و لما صارت داخل الغابة سمعت صوت رضيع يئِّنُّ و يصرخُ. . .فركضتْ صوب مكانِ الصوتِ ، فإذا بها تجدُ رضيعاً مرمياً فوق الأعشاب و قد تعرضَّ جسده لحروقٍ بليغةٍ بفعلِ حرارةِ الشمسِ ، و عن يمينِ الطفل كانت ترقدُ أمه الميتة التي ماتت فور ولادته ، حيثُ قطعت مسافة طويلة تجري و تركض وسط الغابات و الشعاب هاربةً من مطاردةٍ قبيلةٍ هنديةٍ لها ، فحملت المرأة المحسنة الرضيع إلى كوخها الذي كان قريباً من الغابةِ ، و قد اعتبرتهُ بشرى من الرَّبِ فعطفت عليه عطف الأم ، و كانت امرأة مسنَّة بائسة تعيشُ لوحدها منذُ أعوام طويلة حيثُ فقدتِ المسكينة أولادها الأربعة و زوجها بفعلِ الحربِ ، فقد ذهبَ الأولاد و أبيهم إلى الجبهةِ ليدافعون على وطنهم ‘ الهند ‘ خلال الحرب الهندية الباكستانية. .و كبر الطفل مع المرأة المحسنة إلى أن أصبح يمشي و يركض و يلعبُ. . .لقد أنساها وجع أولادها الأربعة و زوجها الذي لم تبدِّدهُ السنون الطويلة التي خلت ، و لكنه كان يشعرُ بنقصٍ اتجاه أقرانه ، فقد كان قبيحَ الشكل جعله ذلك منعزلاً منطوياً على نفسهِ شاردَ الذهنِ. . .و مع ذلك كان طيب القلب جميل السلوك ، و ماتت المرأة المحسنة من فرطِ الشيخوخةِ ، فبقي الطفل لوحدهِ ، و قد جعل حزنه و عجزه و نقصه اتجاه أقرانه الذي كان دائماً عثرة في طريقهِ محفزاً لهُ لينقلبُ رأساً على عقبٍ إلى طفلٍ ناجحٍ مجتهد في الدراسةِ ، و جاء يوم أصبحَ فيه الطفل طبيباً ماهراً كرَّسَ حياته لخدمةِ الإنسان في بلدهِ ، و كان يعالجُ المرضى و الفقراء دون أن يأخذُ منهم أجرته. .
كنت على يقينٍ أنَّ ‘ راسيكا ‘ كانت تقصدني بهذهِ القصة. .أجل ، أنا ذلك الطفل الذي ولدته أمه في الغابةِ أثناء هروبها من مطاردةِ قبيلةٍ هنديةٍ ، و ‘ راسيكا ‘ هي تلك المرأة المحسنة نفسها ، فقد حكت لي هذه القصة امرأة ذات يوم و هي تسخر مني و تحتقرني ، لقد تشاجرتُ مع ابنها أثناء اللَّعب و ضربته ضرباً مؤلماً ، و راحَ الطفل يشكي إلى أمهِ و جاءت الأم لتعاقبني على ذلك ، قالت المرأة باحتقارٍ بالغٍ و هي تسخر مني و تزدريني : إنَّ أمك كانت على علاقةٍ برجلٍ متزوج و حَمِلَتْ منهُ ، و كانا الإثنينِ يعيشانِ في كوخٍ قديمٍ وسط مقبرة تطلُّ على القبيلةِ ، و لقد كانا ينويانِ أن يهاجرانِ ‘ الهند ‘ هرباً من سُخْطِ أهلِ القبيلةِ اللذين عرفوا بعلاقتهما متى أُتيحت لهما الفرصة لذلك ، و اجتمعوا رجال القبيلة ذات يوم حاملين سيوفهم المسعورة و هجموا على الكوخِ. .أما الرجل فقد استسلم لِسُخْطِ رجال القبيلة و قد غرزوا سيوفهم في بطنهِ. .و أما أمك فقد نجحت في الهربِ و ولدتك و هي تقطعُ إحدى الغابات ثم لفظتْ أنفاسها الأخيرة هناك ، حيثُ توقفتْ عضلة قلبها بفعلِ العياءِ الشديدِ ، لقد قطعت مسافة طويلة تجري و تركض هاربة وسط الغابات و الشعاب و الأجم. . .و لو لا أنَّ مشيئةَ الرَّب قد رمتْ برسيكا إلى تلك الغابة لكنت أنت طعاماً للحيواناتِ التي تتغذى على جثتك ، عليك أن تشكر ‘ راسيكا ‘ لإنها أنقذت حياتك أيها المسكين. .آه نسيتُ أن أخبرك يُقالُ أنَّ أمك أيضاً كانت دميمة الخلقة قبيحة الشكل. .حتى أنَّ الحيوانات لم تتغذى على جثتها ، فقد ظلت هناك لأسابيع طويلة حتى جاءت العاصفة و ساقت المياه الجثة إلى النهرِ ، لعلَّك قد شبهت أمك يا ‘ هيوزو ‘ المسكين. . .و منذ ذاك فقد عرفتُ حقيقتي بأنني لستُ ابن ‘ راسيكا ‘ المادي كما كنتُ أعتقد ، و عرفتُ أنَّ ما حكتهُ لي ‘ راسيكا ‘ عن أبي حيثُ غرق في البحرِ مع سفينته العزيزة التي لم يشأ أن يتركها تغرقُ لوحدها كان كذباً. .و إنما أنا مجرد يتيماً عطفت عليه ، ليس لديَّ أماً و لا أباً قد ولدتني أمي من علاقةٍ غير شرعية و جئتُ إلى هذه الدنيا نتيجة إثم. .و لذلك فقد كانت مناداة ‘ راسيكا ‘ لي بابني تجعلني أشعرُ بمزيدٍ من الإحتقارٍ لإنها ليست أمي الحقيقية و لا تملكُ مثل هذا الحق ، و كنتُ أسبُّها و أشتمها لكن ‘ راسيكا ‘ ذات الطباع الطيبة كانت تغفر لي ذلك في كُلِّ مرَّةٍ ، و مع الأيام أدركتُ الإحساس بالذنبِ على تجاوزاتي مع هذه المحسنة التي لم تفعل إلا أن أنقذت حياتي ، و لذلك أخبرتُ ‘ راسيكا ‘ بالحقيقةِ التي عرفتها و بامكانها الآن أن تناديني ‘ هيوزو ‘ اسمي بدل ابني لأنها ليست أمي ، غيرَ أنَّ راسيكا رفضت هذا إطلاقاً و قالت و قد اكتست عينيها الواسعتينِ بغشاءٍ من الدموعِ : أنت ابني و ستظلُّ كذلك يا ‘ هيوزو ‘. .أما أمك فلم تكن دميمة الخلقة و لا قبيحة كما حكت لك تلك المرأة. .بل كانت جميلة لقد رأيتها و حفرتُ حفرة في الغابةِ فدفنتها بيداي هاتينِ الإثنينِ ، و بامكاني أن آخذك غداً إلى هناك لتشاهدُ قبر أمك ، لقد كَذِبَتْ عليك تلك المرأة و كانت غايتها أن تغضبك. .و تابعت ‘ راسيكا ‘ تحكي لي عن أمي و تصفُ لي شكلها و نحن جالسين قرب النار في الكوخِ ، و بدأت الأمطار تتساقطُ بكثرةٍ و الرياح تحركت بسرعةٍ قويةٍ ، و كنا نشعرُ بجدرانِ الكوخِ تهتزُّ من مكانها ، و كانت ‘ راسيكا ‘ تعانقني عندما لاحظت خوفي و فزعي و هي تهمسُ في أذني : لا تخف يا صغيري إن الرَّبُ سوف يحمينا. . .و ما هي إلا لحظات حتى تهاوى أحد جدران الكوخ حيثُ تفاعل بفعلِ الأمطارِ و الرياحِ ، و بينما كنا نحاول الهروب من الكوخِ تبعته الجدران الأخرى ، فطارت قطعة من الطوبِ و ضربت ‘ راسيكا ‘ على مؤخرةِ رأسها سقطت ميتة ، و لقد بكيتُ عليها كثيراً حتى كادت عيناي أن تذرفُ دماً بدل الدموع. .بكيتُ لأيامٍ طوالٍ و ليالٍ و ضاقت عليَّ الدنيا ، و كنت أتمنى في غمرةِ الحزنِ و الدموع أن تعود ‘ راسيكا ‘ إلى الحياةِ ، و حينئذ سأذهبُ إلى المدرسةِ كُلِّ يومٍ بلا انقطاع و أجتهد و أنجح و يسخر مني أصدقائي لكنني لم أبغضهم و لم أرُدُّ على سخريتهم بالسوءِ .
