الربيع العربي : “آمال محققة وأماني مجهضة”

المغربية المستقلة : رشيد حمري صحفي متدرب

هل يعقل أن العالم الثالث بعد أن شهد فورة بركانية عرفت تحت مسمى “الربيع العربي” قد وعى في قرارة نفسه أن “الديكتاتورية” التي طالما عايشها وعاش فيها لسنوات طوال، لم تعد تقبل في هذا القرن الذي يقبع تحت مسمى القرن الواحد والعشرين، أي قرن الثورات العربية أو “الاستفاقة الكبرى للعرب” كما يحلو للبعض تسميتها، والتي توجت أحيانا بإقامة نوع من الأنظمة التي ستبرز نوع ايديولوجيتها مستقبلا، وستجنى تمارها التي يمكن أن تكون محققة لأمال تلك الشعوب التي تزعمت العصيان آملة في أن تكون التمار حسنة غير ممخورة من طرف السوس، أو تآكلت أوصالها من الداخل من طرف الدود الذي سيسحب عنها طيبتها، ويمكن أن يعود بها إلى سابق فسادها الذي كانت فيه قبل أن تنطلق صيحات الاصلاح والمعالجة وزرع الترياق ووصف الأدوية التي يمكن أن تصلح الخلل وتقضي على المرض الذي استشرى وانتعش في أوصال الهيكل العظيم للدولة العميقة ، حتى قرب أمره أي أمر علاجه على العجز.
إن ما يقشعر له البدن ويندى له الجبين أن العديد من الدول العربية التي شهدت الثورات، لم تتمكن من تجاوز عتبة الدمار والخراب والانقسامات الداخلية التي حالت دون خروجها من بقعة النزاع الدموي الطائفي أو الايديولوجي أو العنصري، أو السياسي أو الحزبي أو على مناصب القرار …، من مثل ليبيا وكذا الفراغ السياسي المسبب لعدم الاجماع كما في تونس….
وهذا الأمر الذي عسر، بل جعل من الانتقال من مرحلة ما كان سائدا إلى ما أريد أن يسود أمرا شبه مستحيل، يضاف إلى ذلك عدم رضى بعض الفئات الشعبية عن ما تقوم به الحكومات الجديدة الانتقالية، الشيء الذي يجعل هذه الفئات تنزل إلى الشوارع بين الفينة والأخرى للتعبير عن سخطها وغضبها من رجال السلطة الجدد.
حقيقة كان عدم رضوخ الحكام لرغبات الشعوب أمر مكلف للغاية، دفع ثمنه دماء، سواء تعلق الأمر بالحاكم أم الشعب نفسه، فمثلا في ليبيا قتل الحاكم القذافي بعد أن قتل وذبح وشرد الآلاف المؤلفة من السكان الليبيين، فيما خضع للمحكمة في مصر أكثر من حاكم واحد، “مبارك ومرسي”، وأدينا بارتكاب جرائم ضد الانسانية أو جرائم حرب…،في الوقت الذي هرب فيه حاكم تونس زين العابدين بن علي من البلاد خوفا على نفسه من أن تلتهمه غضبة الجماهير الحاقدة على الوضع.

هنا يطرح السؤال: لماذا تم تغيير أو اسقاط أنظمة من مثل ليبيا وتونس ومصر والمحاولة الفاشلة لتغيير نظام سوريا وإشعال حرب ضروس في اليمن وتزعم السعودية لتحالف دولي لإقرار حكومة عبد ربه منصور هادي المخلوع والمستقر بالسعودية، وتأخر المظاهرات في الجزائر والسودان الذي شهد مؤخرا انقلابا عسكريا قضى على حكم البشير؟.
إن تغيير الحكومات وإسقاط أنظمة متجذرة لم يكن بالنسبة للغرب والحكومات الإمبريالية بهدف إقامة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية للشعوب المستضعفة، بقدر ما كان رهانا في كسب المزيد من الأموال وحصد أكبر قدر ممكن من المصالح، ففرنسا أو أمريكا… لا يهمها أن يحكم أحمد أو عبد الملك أو يحيى أو حتى ابراهيم ، أو أن يحكم ديكتاتور أو متجبر أو طاغوت… إذا كانت ستحصد من ورائه أموالا لا تحصى فمنطقها في التعامل مع الدول هو: “كن تابعا واعتنق ما تشاء، فالمال الذي أجنيه من ورائك هو سبب بقائك، ما أن تنقلب أو ينتهي المال، ستنتهي معه أنت أيضا”، إنه منطق الاستغلال والمصلحة المتبادلة التي يكون فيها طرف أعلى مرتبة وأكثر ربحا من الطرف الآخر.
وإنه لمن المؤسف اليوم أن تكون أمريكا والغرب تتحكم في مصير العالم العربي بخاصة والدول المستضعفة بعامة، خصوصا وأن ميثاق الأمم المتحدة يتضمن مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وأمريكا وأغلب الدول الأوربية التي تنادي وتتبجح بالديمقراطية ، تمارس مثل هذه الأعمال المشينة التي تسيء الى الإنسان الذي مجده عصر الأنوار واعترف بذلك كل العالم وتبناه، وكأن العالم العربي والمستضعف لا تقطنه إلا كائنات لا تنتمي إلى عالم الانسانية ولا تنحدر من جنس البشر ولا تمت له بأية صلة.
لقد صدق درويش حينما قال: “أمريكا الطاعون والطاعون أمريكا”

Loading...