قمح المغرب بين وفرة المحصول وارتهان الاستيراد ، 4.4 ملايين طن لا تكفي لإنقاذ السوق من قبضة القمح الفرنسي!

المغربية المستقلة  :  سيداتي بيدا

تكشف عودة المغرب بقوة إلى استيراد القمح اللين من فرنسا عن اختلالات عميقة في تدبير واحدة من أكثر السلع ارتباطاً بالأمن الغذائي الوطني، وتضع علامات استفهام محرجة حول جدوى السياسات المعتمدة لتسويق المحصول المحلي وتجميعه وتخزينه. فبعد موسم فلاحي استثنائي أعاد الأمل في تقليص التبعية للأسواق الخارجية، وجد المغرب نفسه مجدداً أمام سفن القمح المستورد، في مفارقة يصعب تبريرها بمجرد الحديث عن العرض والطلب.

ووفق معطيات صادرة عن الفيدرالية الفرنسية للتعاونيات الفلاحية والغذائية، فقد جرى شحن حوالي 348 ألف طن من القمح اللين من ميناء روان الفرنسي باتجاه المغرب خلال شهر أكتوبر الماضي، في مؤشر واضح على استعادة الواردات الفرنسية زخمها، رغم أن الإنتاج الوطني بلغ نحو 4.4 ملايين طن، أي ضعف المحصول المسجل خلال الموسم السابق، بفضل التساقطات المطرية التي أنعشت الحقول ورفعت آمال الفلاحين والمهنيين.

لكن المفارقة الأكثر إثارة لا تكمن في حجم الواردات وحدها، بل في العجز المسجل عن تحويل الوفرة الفلاحية إلى مخزون فعلي قادر على تلبية حاجيات المطاحن الوطنية.
فالأرقام المتاحة تشير إلى أن عمليات التجميع لم تتجاوز حوالي 600 ألف طن من القمح المحلي، أي ما يعادل نحو 12 في المائة فقط من الاحتياجات السنوية للمطاحن طالصناعية، بينما ظل الهدف المحدد سابقاً يتراوح بين 1.5 ومليوني طن.

وهنا يبرز السؤال الجوهري
أين ذهب باقي الإنتاج الوطني؟ وكيف يعجز بلد حقق محصولاً قياسياً عن تأمين الكميات الضرورية من مادته الأولية، ويجد نفسه مضطراً إلى العودة سريعاً للأسواق الدولية؟ إن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنتاج، وإنما بمدى فعالية منظومة التجميع والتخزين والتسويق، وقدرتها على ربط الفلاحين بالمطاحن وضمان انتقال المحصول من الحقول إلى قنوات التوزيع المنظمة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تراجع المخزون الاحتياطي لدى المطاحن إلى مستويات لا تغطي سوى شهرين من الاستهلاك، الأمر الذي دفع السلطات إلى إنهاء تعليق استيراد القمح اللين الذي أُقر خلال الصيف الماضي لحماية الإنتاج المحلي، وإعادة تفعيل دعم الواردات، مع رفع قيمته إلى 44.48 درهماً للقنطار خلال أكتوبر، بهدف تقليص الفارق بين الأسعار الدولية وكلفة اقتناء القمح لفائدة المطاحن.

وتشير التوقعات المهنية إلى احتمال بلوغ واردات الموسم الحالي نحو 4.2 ملايين طن، مقابل 5 ملايين طن الموسم الماضي، مع حصة فرنسية مرتقبة تناهز 2.5 مليون طن، بالتوازي مع البحث عن موردين جدد بألمانيا وأوروبا الشرقية والأرجنتين.

إن الرهان الحقيقي لم يعد مجرد تحقيق مواسم فلاحية جيدة بل بناء منظومة وطنية تمنع ضياع ثمارها بين ضعف التجميع واختلالات التخزين وضرورات الاستيراد .
فليس من المنطقي أن تتنفس الحقول المغربية الصعداء بعد موسم ممطر بينما تظل المطاحن معلقة بإيقاع السفن القادمة من الخارج .
فالقمح الذي تنتجه الأرض المغربية ينبغي ان يتحول الى قوة للأمن الغذائي،لا الى محصول وفير تنتهي حكايته عند ابواب الفلاحين دون أن ينعكس أثره على السوق الوطنية .

Loading...