اللهم كثر حسادنا: من دلالة الثقة إلى فلسفة الصعود الاستراتيجي للمغرب

المغربية المستقلة  :  عزيز برجاوي

في خطاب العرش لسنة 2016، وردت العبارة الملكية «اللهم كثر حسادنا»، وهي عبارة تختزل دلالة رمزية تتجاوز معناها المباشر، وتفتح المجال أمام قراءة سياسية واستراتيجية تتصل بمفهوم الثقة في الذات، والاستقلال في القرار، وإدارة التنافس في محيط إقليمي ودولي متغير
وبعيداً عن التعامل معها باعتبارها مجرد تعبير بلاغي أو استفزاز خطابي، يمكن قراءة هذه المقولة في ضوء التحولات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها مدخلاً للتأمل في العلاقة بين النجاح الوطني وردود الفعل التي قد يثيرها، وبين طموح الدولة في الصعود وقدرتها على مواجهة التحديات المرتبطة به
فهل يمكن اعتبار الحسد والتنافس مؤشرين على تنامي مكانة الدولة؟ وإلى أي حد يمكن تحويل الضغوط الخارجية إلى حافز لتعزيز القوة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي؟
1. الحسد والتنافس كمؤشرات محتملة على الصعود الاستراتيجي
في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لا يحدث صعود الدول بمعزل عن محيطها، بل غالباً ما يصاحبه تغير في المصالح وموازين القوى، وهو ما قد يثير ردود فعل متفاوتة من الأطراف المتأثرة بهذا التحول
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم العبارة الملكية باعتبارها تعبيراً عن عقلية سياسية لا تنظر إلى التنافس أو عدم رضا الآخرين باعتبارهما سبباً للتراجع أو التخلي عن الطموح الوطني
وتتجلى هذه الفكرة في مستويين أساسيين
أولاً: التحول في موقع الدولة داخل موازين القوى
فكلما ارتفعت القدرة الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية للدولة، ازدادت احتمالات دخولها في منافسة مع قوى أخرى، سواء على مستوى الأسواق أو الاستثمارات أو النفوذ الإقليمي
غير أن التنافس لا يعني بالضرورة الحسد، كما أن وجود الخصوم لا يشكل في حد ذاته دليلاً على النجاح. إن المؤشر الحقيقي للصعود هو قدرة الدولة على تعزيز موقعها وتحقيق مصالحها رغم تضارب المصالح والضغوط المحيطة بها
ثانياً: التحول في التعامل مع الضغوط الخارجية
تكمن إحدى الدلالات الاستراتيجية للمقولة في تجاوز العقلية الدفاعية التي تجعل ردود فعل الآخرين محدداً رئيسياً للخيارات الوطنية
فالدولة الواثقة من مشروعها لا تجعل رضا الخارج شرطاً لاستمرار مسارها، بل تعتمد على وضوح أهدافها، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للتطوير والتفاوض وبناء الشراكات
2. ترجمة الطموح الاستراتيجي إلى واقع ملموس
يمكن إعادة قراءة هذه المقولة في ضوء التحولات التنموية والدبلوماسية التي عرفها المغرب، والتي تعكس توجهاً نحو تعزيز مكانته الاقتصادية والجيوسياسية وتوسيع هامش استقلال قراره الوطني
ولا يتعلق الأمر بالقول إن العبارة كانت إعلاناً تفصيلياً عن جميع المشاريع التي عرفتها المملكة لاحقاً، بل باعتبارها تعبيراً رمزياً عن عقلية سياسية يمكن استحضارها لفهم بعض ملامح هذا المسار
وتتجلى هذه التحولات في مجموعة من الأوراش الاستراتيجية
أولاً: تعزيز التموقع الصناعي واللوجستي
أصبح المغرب خلال السنوات الماضية منصة صناعية ولوجستية مهمة على المستويين الإفريقي والمتوسطي، بفضل تطور مركب طنجة المتوسط، وتوسع صناعات السيارات والطيران، واستقطاب الاستثمارات الدولية
كما تبرز المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر توجهاً نحو بناء موقع تنافسي في القطاعات الاقتصادية المستقبلية
ولا يعني ذلك بلوغ السيادة الصناعية الكاملة، بل يعكس تقدماً في الاندماج داخل سلاسل القيمة العالمية، مع استمرار الحاجة إلى تطوير البحث والابتكار، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاج الوطني للمدخلات الاستراتيجية
ثانياً: إعادة تشكيل العمق الإفريقي والواجهة الأطلسية
يمثل تطوير البنيات التحتية في الأقاليم الجنوبية، ومن بينها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تيزنيت-الداخلة، جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز الترابط الاقتصادي والجغرافي بين المغرب وعمقه الإفريقي
وتكتسب المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب أهمية خاصة في هذا السياق، من خلال طرح إمكانية تمكين الدول الإفريقية الساحلية وغير الساحلية من الاستفادة من الواجهة الأطلسية والبنيات التحتية المرتبطة بها
وهكذا يتجاوز المشروع منطق التموقع الجغرافي التقليدي نحو بناء فضاء للتكامل الاقتصادي والتجاري، يمكن أن يعزز دور المغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي
ثالثاً: الدبلوماسية المغربية وتدبير المصالح الاستراتيجية
عرفت الدبلوماسية المغربية تحولات مهمة في طريقة تدبير الشراكات والتحالفات الدولية، خصوصاً فيما يتعلق بقضية الصحراء
فقد أصبح الموقف من مبادرة الحكم الذاتي عاملاً أساسياً في تقييم عدد من الشراكات والعلاقات الدولية، بالتوازي مع استمرار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى توسيع دائرة الدعم للموقف المغربي
وقد تجلى ذلك في تنامي المواقف الدولية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، مع ضرورة التمييز بين الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية، ودعم المبادرة باعتبارها أساساً للتوصل إلى حل سياسي، وغيرها من المواقف الدبلوماسية
وتعكس هذه الدينامية توجهاً نحو دبلوماسية أكثر وضوحاً في تحديد المصالح الوطنية والدفاع عنها
3. الأثر التراكمي: حين يصبح النجاح مولداً لنجاحات جديدة
من أهم الأبعاد الاستراتيجية للتحولات التي يعرفها المغرب قدرتها على خلق دينامية تراكمية، يمكن تشبيهها بأثر كرة الثلج
فكل مشروع ناجح لا يمثل نتيجة مستقلة فحسب، بل قد يشكل منطلقاً لمشاريع وفرص جديدة
فالبنية التحتية المتطورة تعزز جاذبية الاستثمار، والاستثمار يساهم في خلق فرص الشغل وتطوير الخبرات الصناعية، وهذه الأخيرة تدعم التنافسية وتوسع إمكانات التصدير
وتؤدي هذه العملية، مع مرور الوقت، إلى تعزيز موقع الدولة في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وتوسيع شبكة علاقاتها وشراكاتها الاستراتيجية
ويبرز هذا المنطق أيضاً في المشاريع الكبرى ذات البعد الدولي، ومن بينها الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، باعتباره فرصة لتعزيز البنيات التحتية والقدرات التنظيمية والإشعاع الدولي للمملكة
لكن استدامة هذا الأثر تظل مرتبطة بمدى قدرة هذه المشاريع على تحقيق قيمة مضافة حقيقية، وتحسين مستوى عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني
فالقوة الاستراتيجية لا تقاس فقط بحجم المشاريع أو مستوى الحضور الدولي، بل كذلك بقدرة الدولة على تحويل الإنجازات إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بآثارها المباشرة
4. من منطق الحسد إلى فلسفة الاستقلال الاستراتيجي
لعل المعنى الأعمق لعبارة «اللهم كثر حسادنا» لا يكمن في اعتبار كثرة الحساد دليلاً آلياً على النجاح، بل في التعبير عن الثقة في المسار الوطني، وعدم جعل رضا الآخرين شرطاً لتحقيق الطموحات الاستراتيجية
فالدولة التي تمتلك رؤية واضحة لمستقبلها لا تتخلى عن خياراتها لمجرد أنها قد لا تحظى بقبول جميع الأطراف، لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل محيطها ولا تقلل من أهمية التوازنات الدولية
وهنا تبرز ثلاثة مرتكزات أساسية
وضوح الرؤية: تحديد الأهداف الوطنية وفق منظور استراتيجي طويل الأمد
استقلال القرار: امتلاك القدرة على اتخاذ الخيارات الوطنية انطلاقاً من المصالح العليا للدولة
الواقعية والبراغماتية: إدارة التنافس والخلافات بذكاء، وتحويل الضغوط إلى فرص لتعزيز الموقع التفاوضي وبناء الشراكات
وهذه المرتكزات هي التي تمنح الاستقلال الاستراتيجي معناه الحقيقي، بعيداً عن الشعارات أو ردود الفعل الظرفية
الخاتمة: حين لا يصبح رضا الآخرين شرطاً للنجاح
إن عبارة «اللهم كثر حسادنا» يمكن أن تُقرأ باعتبارها أكثر من مجرد تعبير عابر؛ فهي تفتح المجال أمام استحضار فلسفة سياسية قوامها الثقة في الذات، والإيمان بإمكانية الصعود، وعدم الارتهان للأحكام وردود الفعل الخارجية
لقد أظهرت التحولات التي عرفها المغرب في المجالات الصناعية واللوجستية والدبلوماسية والإفريقية أن بناء المكانة الدولية لا يتحقق بالانتظار، بل بتراكم الاختيارات والمشاريع والاستثمارات والقدرات المؤسساتية
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع استراتيجي لا يكمن في حجم المعارضة التي يواجهها، بل في قدرته على تحقيق نتائج مستدامة، وتعزيز مناعة الدولة، وتحسين شروط التنمية والعيش الكريم لمواطنيها
فالدولة القوية ليست بالضرورة تلك التي يكثر حسادها، بل تلك التي تستطيع أن تتقدم رغم اختلاف المصالح، وأن تحول التنافس إلى فرصة، والضغوط إلى حافز، والإنجازات إلى قوة مستدامة
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للمقولة: أن يكون طموح الوطن أكبر من أن تحدده مواقف الآخرين، وأن تكون قوة مساره مستمدة من إنجازاته وقدرته على صناعة مستقبله

Loading...