المغربية المستقلة : يوسف حسن
لم تعد الأزمة التي يواجهها بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف مجرد صراع انتخابي على السلطة، بل أصبحت تعبيراً عن إخفاق سياسي واستراتيجي عميق، بعد سنوات من الحروب والتصعيد العسكري الذي ألحق أضراراً جسيمة بإسرائيل، داخلياً وخارجياً.
فالحروب التي خاضها نتنياهو تحت شعار حماية الأمن الإسرائيلي لم تحقق الاستقرار الموعود، بل أدت إلى تعميق الانقسامات الداخلية، واستنزاف الموارد الاقتصادية والعسكرية، وتزايد الشكوك في قدرة القيادة الحالية على ضمان مستقبل آمن للإسرائيليين.
وتشير القراءة السياسية التي قدمها الخبير في القانون الدستوري الإسرائيلي، الدكتور متان غوتمان، إلى احتمال حدوث تحول كبير في موازين القوى داخل الكنيست. فوفق السيناريو الانتخابي الذي تناوله، قد يتراجع تمثيل الائتلاف الحاكم من 68 إلى 54 مقعداً، مقابل ارتفاع مقاعد القوى المعارضة، بما فيها الأحزاب العربية، إلى نحو 67 مقعداً.
وإذا تأكدت هذه النتائج رسمياً، فإنها ستشكل ضربة قاسية لنتنياهو واليمين المتطرف، وتعني فقدان الأغلبية البرلمانية التي سمحت لهما بالسيطرة على التشريعات وفرض أجندتهما السياسية.
لكن الهزيمة الأعمق لا تكمن في خسارة المقاعد وحدها، بل في تآكل الثقة الشعبية بالمشروع السياسي الذي اعتمد على القوة العسكرية، وتوسيع الاستيطان، ورفض التسويات، وتحويل المنطقة إلى ساحة مواجهات متواصلة.
وعلى المستوى الدولي، تبدو الخسائر أكثر خطورة. فقد أدت الحرب على غزة، وما خلفته من ضحايا مدنيين ودمار وأزمة إنسانية، إلى موجة واسعة من الغضب والاحتجاجات العالمية، امتدت إلى الجامعات والمؤسسات الحقوقية والأوساط السياسية والإعلامية الغربية.
كما أسهمت الإجراءات أمام المحاكم الدولية في زيادة الضغوط على إسرائيل، وألحقت أضراراً كبيرة بصورتها التي سعت لعقود إلى تقديمها باعتبارها دولة ديمقراطية تحترم القانون الدولي.
وهكذا، فإن نتنياهو، الذي حاول ترسيخ صورته باعتباره رجل الأمن والقوة، بات يواجه مفارقة تاريخية: فالحروب التي أراد توظيفها لتعزيز سلطته تحولت إلى أحد أبرز أسباب تراجع شعبيته، بينما أصبحت السياسات العسكرية نفسها عبئاً على مكانة إسرائيل وسمعتها الدولية.
وفي حال فقدان اليمين أغلبيته البرلمانية، يمكن للكنيست الجديد، حتى قبل تشكيل حكومة بديلة، التحرك لتغيير رئاسته، ومراجعة التشريعات المثيرة للجدل، والمطالبة بتحقيقات رسمية في الإخفاقات الأمنية والسياسية.
إن ما يواجهه نتنياهو اليوم يتجاوز مستقبله الشخصي؛ فهو أزمة مشروع سياسي كامل اعتقد أن التفوق العسكري والتصعيد المستمر قادران على فرض الأمن والاستقرار.
نتنياهو واليمين المتطرف قد يخسران معركة السلطة في الداخل، لكن إسرائيل تواجه خسارة أكبر في الخارج: تراجع رصيدها الأخلاقي والسياسي، وتآكل صورتها أمام الرأي العام العالمي.
لقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية قد تدمر المدن، لكنها لا تصنع الشرعية، وأن إشعال الحروب قد يطيل عمر الحكومات مؤقتاً، لكنه لا يضمن أمن الشعوب ولا يحفظ مكانة الدول.
فالهزيمة الحقيقية لنتنياهو ليست فقط احتمال خروجه من السلطة، بل سقوط الرهان على أن المزيد من الحروب سيجلب لإسرائيل المزيد من الأمن والاحترام.
