المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة نقاشاً برلمانياً مسؤولاً يرقى إلى حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تثير مشاهد انشغال بعض النواب بالهواتف المحمولة داخل قاعة الجلسات العامة علامات استفهام محرجة حول جدية التعاطي مع المسؤولية التشريعية، ومدى احترام القواعد التي يفترض أن تضبط سلوك ممثلي الأمة داخل المؤسسة الدستورية.
فبينما تتطلب مناقشة البرنامج الحكومي تركيزاً سياسياً ورقابياً عالياً، باعتباره محدداً للتوجهات العامة لعمل الحكومة خلال ولايتها، رُصد عدد من البرلمانيين وهم يتصفحون هواتفهم وصفحات التواصل الاجتماعي، وفق ما أوردته إحدى الجرائد الإلكترونية. مشاهد تعيد إلى الواجهة سؤال الانضباط البرلماني، وتضع احترام النظام الداخلي أمام اختبار حقيقي.
المفارقة أن الأمر لا يتعلق بغياب القواعد، بل بمدى الالتزام بها وتفعيلها عند الاقتضاء. فالمادة 392 من النظام الداخلي لمجلس النواب واضحة في مقتضياتها، إذ تلزم النواب بالامتناع عن استعمال الهاتف أو الانشغال بقراءة الجرائد والمجلات وما شابه ذلك، أثناء سير الجلسات العامة واجتماعات اللجان الدائمة.
وبذلك، فإن الانشغال بالهاتف داخل الجلسات ليس مجرد تفصيل شكلي حين يتعلق الأمر بسلوك يخالف مقتضيات تنظيمية صريحة، بل قضية ترتبط باحترام المؤسسة التشريعية، وبالصورة التي يقدمها البرلمانيون للرأي العام، خصوصاً عندما يكون موضوع النقاش برنامجاً حكومياً يفترض أن يخضع للفحص والمناقشة والتقييم.
ولا تقف ضوابط النظام الداخلي عند هذا الحد، بل تشمل أيضاً منع تناول الطعام والتدخين داخل قاعات الجلسات واجتماعات اللجان، وحظر رفع اللافتات أو تنظيم اعتصامات داخل مقر المجلس، إلى جانب التشديد على ضرورة ارتداء لباس يتناسب مع الاحترام الواجب للمؤسسة التشريعية.
والأكثر أهمية أن هذه المقتضيات ليست مجرد توصيات أخلاقية معلقة، إذ يتيح النظام الداخلي مسطرة للتعامل مع المخالفات. فوفقاً للمقتضيات ذات الصلة، يمكن لرئيس الجلسة أو رئيس اللجنة اتخاذ الإجراءات التأديبية المنصوص عليها في المادة 396، قبل إحالة الأمر على مكتب المجلس، الذي يحيله بدوره على لجنة الأخلاقيات لاقتراح القرار المناسب.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه: ما جدوى وجود قواعد واضحة إذا لم يلمس الرأي العام أثراً عملياً لها عند تسجيل مخالفات تستدعي المعالجة؟ وهل يتحول احترام النظام الداخلي إلى التزام فعلي يسري على الجميع، أم يبقى رهيناً بمدى انتباه المسؤولين عن تدبير الجلسات؟
إن المؤسسة التشريعية مطالبة اليوم بتكريس ثقافة الانضباط والمساءلة بعيدا عن الانتقائية او التساهل لان الثقة في البرلمان لا تبنى بالخطب والشعارات بل بالممارسة الجادة واحترام القانون الداخلي
فالبرلمان ليس فضاء لتصفح المنشورات بل مؤسسة لمراقبة الحكومة وصناعة التشريع والدفاع عن مصالح المواطنين ومن يطالب الحكومة بالمساءلة والالتزام مطالب بدوره بان يكون اول من يحترم القواعد التي تحكم عمل المؤسسة التي يمثل داخلها إرادة الناخبين .
