المغربية المستقلة : محمد قبلي ابن شهيد
شهداء حرب الصحراء.. بدمائهم رسمت خريطة الوطن وبحقوق أسرهم استهين ..بدمائهم حمي الوطن واستقر وحفظ سلمه وأمنه….بدماء الشهداء بقيت وحدتنا الترابية موحدة وبقيت خريطة الوطن كاملة من طنجة إلى الكويرة……
وطن مسؤولوه سخوا بكرم حاتمي على من باعه وخان، وبخلوا وتجاهلوا من حماه وصان.. بهذه الجملة الموجعة نختصر كل الحكاية.
الصورة (المرفوقة مع المتشورتحت) ليست مجرد خريطة.. ليست حبراً على ورق… هي خريطة مرسومة بـ 89 وجهاً، 89 روحاً، 89 شهيداً. كل صورة داخل هذه الخريطة هي حكاية رجل ذهب للحرب ولم يعد… هي قصة أب ترك أطفاله وابن ترك أمه،وأخ ترك أحلامه ولبى نداء الوطن في أحلك سنوات حرب الصحراء المغربية 1975-1991.
إنها ليست مجرد لائحة بأسماء وصور… إنما رجال كانوا آباء وأبناء وإخوة من تازة والريف، أبناء الأطلس وسوس، أبناء الصحراء والسهول والجبال.. هم أبناء المغرب العميق، المغرب المنسي، الذين لم يتأخروا يوم ناداهم الوطن.. هم من صانوا الأرض والعرض عندما كان الوطن في أمس الحاجة لمن يحميه.
بدمائهم بقيت الخريطة حمراء، موحدة، شامخة كما نراها اليوم. بدمائهم وأرواحهم صارت الخريطة ليست فقط مجرد حدود جغرافية نعتز بها بل أضحت رمزا للتضحية وتاريخا يروى ويحتفى ويفتخر به جيلاً بعد جيل.
لكن المفارقة التي تدمي القلب لا توجد في الصورة والمواقع، بل في الواقع المبكي.. المؤلم.. المحزن.. الصادم..
كيف يعقل أن يكرم من خان الوطن وباعه بالعفو والصفح والامتيازات والريع والسكن الوثير؟
بينما تترك أسر من ضحى بنفسه وروحه ليعيش أهله بكرامة، تعيش التهميش والنسيان والفقر المدقع؟
أين حقوق أرامل الشهداء اللواتي أفنين العمر في تربية أيتام الوطن؟ أين حقوق أبنائهم الذين كبروا أيتاماً باسم الوطن، يحملون اسم الشهيد ولا يحملون حق الشهيد؟
أين السكن اللائق؟ أين التشغيل؟ أين التطبيب؟ أين الكرامة التي وعدوا بها؟ أين قانون مكفولي الأمة الذي لم نر منه إلا الصياغة والحبر على الورق؟
إن هذه الصورة ليست للتأبين فقط، وليست لسرد رواية كتبت بالدم.. بل هي صرخة ووثيقة إدانة للإهمال ونكران الجميل. هي تذكير بتاريخ الرجال الحقيقيين لمن يفتخر ويحتفل اليوم بعيد الوحدة ويحتفل بالطبل والمزمار وينسى من صنع الوحدة.
هي صرخة مدوية في وجه الدولة والمجتمع بأن ملف شهداء وأسرى ومفقودي حرب الصحراء المغربية وعائلاتهم لا يزال جرحاً مفتوحاً ينزف.. لم ينصف.. ولم ينل حقه من العناية المادية والاجتماعية والاعتبار المعنوي.
الاعتراف الحقيقي بالشهداء لا يكون بالخطب الرنانة ولا بالمقالات التحليلية.. الاعتراف الحقيقي يكون بإنصاف أسرهم، وحفظ كرامتهم، وتمكينهم من حقوقهم المشروعة كاملة غير منقوصة.
رحم الله شهداءنا المذكورين في هذه الخريطة ورحم الله كل شهداء الوطن.. لن ولن ننساكم، فأنتم من كتبتم وحدة الوطن بدمائكم وحميتم جغرافيته وأمنه واستقراره بأرواحك
