المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
من الشاشة إلى الزنزانة
القضاء يضع حدوداً لفوضى التشهير والإساءة إلى كرامة المواطنين
لم تعد الشهرة الرقمية جواز مرور نحو الإفلات من المحاسبة، ولم تعد أعداد المتابعين أو ضجيج المنصات الاجتماعية قادرة، بمفردها، على تحويل الإساءة إلى بطولة أو التشهير إلى وسيلة مشروعة لصناعة النجومية. ففي مراكش، عاد اسم المغنية الشعبية فاطمة الزهراء، المعروفة فنياً بـ«الشيخة الطراكس»، إلى واجهة الأحداث، بعد قرار النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بمتابعتها في حالة اعتقال وإيداعها السجن المحلي بالأوداية، في قضية تضع حدود التعبير الرقمي واحترام كرامة الآخرين تحت مجهر المساءلة القضائية.
إنها محطة تفتح النقاش مجدداً حول الوجه المظلم لبعض ممارسات التأثير الرقمي، حين يتحول السعي وراء المشاهدات إلى سباق محموم، وتصبح الخصوصيات الإنسانية مادة للاستهلاك، وتُختزل كرامة الأفراد في تعليقات جارحة ومقاطع مثيرة للجدل.
فبين حرية التعبير والإساءة إلى الغير مسافة لا يجوز طمسها، وبين النقد المشروع والتشهير فرق لا يمكن تغطيته بشعار الشهرة أو الادعاء بأن المنصات الافتراضية فضاء خارج سلطة القانون.
وتكتسب القضية حساسيتها من الجدل المرتبط بتصريحات منسوبة إلى المعنية بالأمر بشأن سكان حي سيدي يوسف بن علي بمراكش، وما أثارته من ردود فعل وانتقادات. فالأحياء الشعبية ليست مادة مباحة للسخرية، وسكانها ليسوا أهدافاً مفتوحة لتصفية الحسابات أو صناعة محتوى يستثمر في الاستفزاز. إن كرامة المواطنين خط أحمر أخلاقي وقانوني، لا ينبغي أن تتحول إلى ثمن يدفعه الناس مقابل دقائق من الانتشار الرقمي.
لكن الحزم في مواجهة التشهير لا يعني إصدار أحكام مسبقة، كما أن قرار الإيداع بالسجن لا يُعد إدانة نهائية. فالمتهم يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يصدر حكم قضائي نهائي، وتظل للمحكمة وحدها صلاحية تقدير الوقائع والأدلة وتحديد المسؤوليات وفقاً للقانون.
والرسالة الأهم التي تطرحها هذه القضية تتجاوز اسم «الطراكس» وشهرتها
إنها دعوة صريحة إلى إعادة ضبط العلاقة بين التأثير الرقمي والمسؤولية المجتمعية. فلا يجوز أن تتحول الحسابات الشخصية إلى منصات مفتوحة للقذف والإهانة، ولا أن يُستغل الجمهور وسيلة للضغط على الأشخاص أو النيل من سمعتهم، ولا أن يصبح الاستفزاز منهجاً دائماً لتحقيق الأرباح والانتشار.
انتهى زمن الاعتقاد بأن الشاشة تحجب صاحبها عن المساءلة. فالعالم الرقمي ليس منطقة معزولة عن القانون، والحرية لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين، والشهرة لا تمنح أصحابها امتيازاً فوق بقية المواطنين. أما الحسم في هذه القضية فيبقى رهين ما ستقرره العدالة استنادا إلى الأدلة والاجراءات القانونية بعيدا عن احكام المنصات وضجيج المتابعين
