المغربية المستقلة :
في دجنبر 2020 حين وقع سعد الدين العثماني الاتفاق الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات مع إسرائيل، لم يكن عبد الإله بنكيران يدعو إلى محاسبته أو إبعاده. بل دافع عنه ورفض اختزال القرار في شخص رئيس الحكومة، باعتباره قرارا ارتبط بإكراهات مؤسسات الدولة وطبيعة القرارات السيادية، يومها لم يكن التوقيع عارا على صاحبه، ولم يتحول العثماني إلى كبش فداء ظل أمينا عاما للحزب، واستمر الحزب في الحكومة ولم تعلن القطيعة مع القرار أو مع صاحبه.
لكن في أكتوبر 2026 تغير الخطاب بشكل لافت، بينما بقي التوقيع نفسه والواقعة نفسها، فجأة أصبح الاتفاق ورقة للمزايدة الداخلية، وأصبح بنكيران يقول إن الحزب يعاير به، وإنه «لا علم لنا به». وهنا تبرز المفارقة: كيف يتحول القرار نفسه من مسؤولية مؤسساتية لا يجوز اختزالها في شخص، إلى تهمة تستدعى اليوم لمواجهة خصم من داخل البيت؟
والأكثر دلالة أن هذا التحول يأتي بعد مسار انتخابي وسياسي مضطرب للحزب: من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 سنة 2021، ثم العودة بـ54 مقعدا في شتنبر 2026، مع احتلال المرتبة الرابعة. لذلك، فإن استدعاء ملف التطبيع في هذه اللحظة يطرح سؤالا سياسيا أكبر من مجرد الخلاف حول التوقيع: هل تحول الماضي إلى أداة لتصفية الحسابات داخل الحزب؟
المشكلة ليست في إعادة مناقشة قرار 2020، فهذا حق مشروع، وإنما في ازدواجية التعامل معه: الدفاع عنه عندما كان صاحبه حليفا، ثم تحويله إلى عبء أخلاقي عندما يصبح صاحبه خصما أو صوتاً مزعجا من الداخل.
فالسياسة لا تبنى بذاكرة انتقائية، ومن يدافع عن قرار بالأمس ثم يستدعيه اليوم كسلاح ضد رفيق الأمس، لا يمحو المسؤولية؛ بل يفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجاً: إذا كان التوقيع خطأ أو عارا سياسيا اليوم، فلماذا لم يكن كذلك يوم وقع العثماني؟
