أرواح تشبه الأصالة…بقلم الكاتبة والشاعرة خديجة الفيلالي الرتبي

المغربية المستقلة  : بقلم الكاتبة والشاعرة خديجة الفيلالي الرتبي

العلاقات الإنسانية ليست ساحةً لابتلاع الذات، ولا امتحانًا للتضحية من طرفٍ واحد، وليست مساحةً يُطلب فيها من أحدنا أن يتنازل عن ذاته كي تستمر الحكاية. فالعلاقة الناضجة لا تُقاس بكثرة ما نقدّم، بل بقدرتنا على أن نعطي دون أن نفقد أنفسنا، وأن نقترب دون أن نختنق، وأن نحب دون أن يتحول الحب إلى عبءٍ على أحد الطرفين.

الحب الحقيقي لا يقوم على الاستنزاف، ولا يجعل التضحية طريقًا إلزاميًا لاستمرار العلاقة، بل هو ميزانٌ دقيق لا تستقيم كفّتاه إلا بالاحترام المتبادل، وتوازن العطاء، والإنصات، والتقدير، والشعور بأن وجود الآخر إضافةٌ إلى الحياة، لا انتقاصٌ منها. فحين تكون العلاقة صادقة، يصبح لكل طرفٍ فيها مكانه وصوته وكرامته، ويصبح الاختلاف مساحةً للفهم، لا سببًا للابتعاد.

ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا العلاقات الناضجة هو أن نلتقي بأشخاص يشبهون المعنى الذي نبحث عنه؛ أشخاصًا لا يطلبون منا أن نكون نسخةً أخرى من أنفسنا، بل يقدّرون حقيقتنا، ويضيفون إليها شيئًا من الجمال والطمأنينة.

وهكذا تبدو تلك الروح… كأنها صورةٌ حيّة لذلك النوع النادر من الحضور؛ حضورٌ لا يفرض نفسه، لكنه يترك أثره. تشبه الأصالة حين تأتي بلا تكلّف، وتشبه نغمةً لا تنقطع، كلما مرّت على القلب أعادته إلى زمنٍ جميل. وفي حضورها شيءٌ من العلاقات التي نتمناها: دفءٌ بلا امتلاك، وقربٌ بلا اختناق، وعطاءٌ لا يُشعر الآخر بأنه مدين.

تلك الروح لا تكون مجرد عابرٍ في حكاية، بل تصبح جزءًا من معناها؛ روحًا تعرف أن المحبة ليست في أن نمتلك من نحب، بل في أن نمنحه مساحةً ليكون ذاته، وأن نبقى إلى جواره بصدقٍ واحترام. ولهذا يظل بعض الأشخاص في ذاكرتنا طويلًا، لا لأنهم كانوا الأكثر حضورًا، بل لأن حضورهم كان صادقًا بما يكفي ليترك في القلب نغمةً لا تنتهي.

فبعض العلاقات لا تُقاس بطول بقائها، وإنما بعمق أثرها؛ وبعض الأرواح لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيرًا كي تُثبت أصالتها، يكفي أنها حين تحضر، نشعر أن شيئًا جميلًا في داخلنا قد عاد إلى الحياة.

Loading...