درعة تافيلالت : تجارة القبيلة في زمن إفلاس المشروع السياسي ”

المغربية المستقلة  متابعة عبد الحق بنعلي

ثمانون مقعداً على مستوى المملكة ، ومع ذلك ما زالت جهة درعة تافيلالت تختار ممثليها بمنطق ما قبل الدولة : من ينتمي إلى القبيلة الأقوى ، ومن يملك أكبر عدد من “الرجال” خلف ظهره ، لا من يملك مشروعاً .. هذا ليس تنافساً سياسياً ، بل مقايضة صريحة : مقعد بمقابل ولاء عشائري ، وتزكية بمقابل صمت عن الفشل التنموي المزمن –
الأنكى من ذلك أن هذا الصراع القبلي – الجغرافي يُدار فوق أرض تنام على ثروات باطنية من الفضة والذهب ، بينما ساكنتها تصطف أمام الشاحنات الصهريجية طلباً للماء ، وتقطع مسافات طويلة نحو أقرب مستوصف ، وتراقب أبناءها يهاجرون بحثاً عن أفق مسدود محلياً .. فالجهة التي يُفترض أن تكون من أغنى مناطق المغرب بثرواتها الباطنية، تحتل من بين أسوأ مراتب مؤشرات التنمية البشرية ، وهذا وحده كافٍ لإدانة عقود من “التمثيلية” الانتخابية العقيمة –
فمن يتصارع اليوم على التزكيات لا يتصارع من أجل برنامج تنموي ، بل من أجل الريع : ريع النفوذ ، وريع الصفقات ، وريع الحضور في دواليب القرار المحلي .. أما المواطن البسيط في تافيلالت ، فلا يعنيه من يمثله في العاصمة ، بل يهمه فقط ألا يُنسى في الحسابات الانتخابية بعد يوم الاقتراع ، وهو ما يحدث دورياً ، لأن العقد الانتخابي هناك يُبرم بين “الأعيان” لا بين المرشح والناخب –
والأخطر أن الأحزاب السياسية ، التي كان يُفترض أن تكون سداً منيعاً أمام هذا الانحدار ، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لتبييض هذه الصراعات القبلية ، فتمنح تزكياتها وفق موازين القوى المحلية ، لا وفق معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على التدبير ، وهكذا تُفرغ الديمقراطية المحلية من مضمونها ، وتتحول العملية الانتخابية برمتها إلى مسرحية شكلية تُعاد صياغة نصها كل خمس سنوات دون أن يتغير جوهرها –
إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن جهة درعة تافيلالت محكوم عليها بالبقاء في ذيل الترتيب التنموي الوطني ، ليس لغياب الموارد أو الكفاءات ، بل لأن من يُفترض أن يمثلها منشغل بترضية القبيلة لا بخدمة المواطن .. فالسؤال لم يعد ” أليس فيكم رجل رشيد؟ “، بل أصبح : إلى متى يظل الرجل الرشيد ، إن وُجد ، مقصياً لأنه لا ينتمي إلى القبيلة “الصحيحة” أو الجهة “المناسبة”؟
الجهة لا تحتاج إلى مزيد من الوسطاء بين القبيلة والدولة ، بل إلى نخبة تقطع الحبل السري مع منطق الزعامة التقليدية ، وتحمّل نفسها مسؤولية التاريخ أمام ساكنة سئمت الوعود وتنتظر أفعالاً –

Loading...