المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
لم تعد قضية اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي مجرد ملف تقني يُدار خلف الأبواب المغلقة، ولا ورقة تفاوضية يمكن لبروكسل سحبها وإعادتها متى شاءت. المشهد تغيّر، والرباط لم تعد مستعدة للجلوس إلى طاولة تُدار بمنطق الامتيازات القديمة أو الإملاءات المغلفة بلغة دبلوماسية ناعمة.
حين تقول المفوضية الأوروبية إنها «مستعدة للحوار» وإنها تنتظر استعداد المغرب للتفاوض، فإن السؤال الحقيقي ليس: متى سيعود الحوار؟ بل: بأي شروط سيعود؟ ومن يملك اليوم أوراق الضغط؟
لقد أدرك المغرب أن الثروة البحرية ليست مجرد أرقام في جداول اقتصادية، ولا منفعة مجانية لأساطيل تبحث عن مناطق صيد مربحة، وإنما جزء من منظومة السيادة الوطنية والمصلحة الاستراتيجية. ولذلك فإن أي اتفاق جديد لن يكون نسخة محسنة من اتفاقات الماضي، ولن يُبنى على قاعدة أن أوروبا تطلب والمغرب يمنح.
المشكلة أن بروكسل ما زالت تتعامل مع الملف بعقلية قديمة، تارة تستحضر الحسابات القانونية، وتارة تتحدث عن استدامة المخزون السمكي، وتارة تلوّح بمصالح الصيادين الأوروبيين، وكأن الرباط مطالبة وحدها بتحمل فاتورة التناقضات الأوروبية.
لكن زمن «الصك على بياض» انتهى.
المغرب اليوم يملك خيارات أوسع وشراكات متعددة، ولم يعد مضطراً إلى ربط ثرواته البحرية بسوق واحدة أو بشروط طرف واحد. ومن ثم، فإن أي محاولة للمماطلة أو المناورة لن تنتج سوى مزيد من اتساع المسافة بين بروكسل والرباط.
الأكثر حساسية أن أوروبا تحتاج إلى المغرب بقدر ما تحتاج الرباط إلى أوروبا، وربما أكثر في بعض الملفات الاستراتيجية. ولذلك فإن الاستمرار في خطاب الوصاية أو التعامل مع المصالح المغربية باعتبارها قابلة للمساومة سيقود حتماً إلى نتيجة واحدة: خسارة الامتيازات التي اعتادت عليها بعض الأطراف الأوروبية.
الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى بروكسل واضحة وحاسمة: الثروات المغربية ليست غنيمة تفاوضية، والسيادة ليست بنداً قابلاً للتأويل.
إذا أرادت أوروبا اتفاقاً جديداً، فعليها أن تأتي بعقلية جديدة؛ شراكة حقيقية، مصالح متبادلة، احترام كامل للسيادة المغربية، والتزام واضح باستدامة الموارد.
أما العودة إلى منطق الماضي، حيث تُطلب التنازلات قبل تقديم الضمانات، فلم يعد لها مكان.
إما اتفاق يليق بشراكة بين ندّين، أو يبحث كل طرف عن مصالحه بعيداً عن الآخر.
والكرة، هذه المرة، ليست في ملعب الرباط وحدها.
