المدير المتقاعد.. عندما تسكت الهواتف وتبدأ الحياة*

المغربية المستقلة  :  بقلم الاستاذ مبارك السعيدي أجمل حصاد بعد التقاعد

بعد سنوات من الاجتماعات المتتالية، ومن رنين الهاتف الذي لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ومن جداول مواعيد تضبط أنفاسه بالدقيقة والثانية… يأتي يوم يُعلن فيه المدير المتقاعد نهاية مهمته.

لم يعد مضطراً لارتداء “قناع المسؤولية” كل صباح. لم يعد مطالباً بمساحيق “الوضع الاعتباري” ولا باللباقة المهنية التي تفرض عليه التعامل مع الغث والسمين، مع الصادق والمنافق.
اليوم، يستيقظ دون منبه. يشرب قهوته على مهل. والهاتف الذي كان يرن كل 5 دقائق أصبح صامتاً… أو بالأحرى، أصبح يرن فقط لمن يستحق.

التقاعد بالنسبة للمدير ليس نهاية، بل هو غربال.
يسقط الزوائد: الأرقام المصلحية، المجاملات الثقيلة، ضغط التقارير.
ويحتفظ بالدرر: الأصدقاء الحقيقيون، الذكريات الجميلة، الإنجازات التي تبقى شاهدة، وتلاميذه وموظفوه الذين تعلموا منه معنى القيادة.

من إدارة المكاتب إلى إدارة الوقت لنفسه
عقارب الساعة التي كانت تضبط حركاته وسكناته، توقفت عن مطاردته.
أصبح هو من يضبط ساعته. يسافر متى شاء، يزور أبناءه وأحفاده، يرجع لقراءة الكتب التي أجلها 30 سنة، ويجلس في المقهى دون أن ينظر كل دقيقة في ساعته.

يقول المدير المتقاعد اليوم:
“التقاعد نعمة. التقاعد منحة إلهية. التقاعد هو أن تعيش ما تبقى من عمرك براحة نفسية وصفاء ذهني لا مُكدّر له.”

لقد سلّم الأمانة، وربّى أجيالاً، وبنى مؤسسات… والآن حان وقت أن يبني نفسه.

*تحية تقدير*
تحية لكل مدير ومديرة متقاعدين بلا ضفاف.
تحية لمن حملوا المسؤولية بجدارة، وغادروا المناصب وتركوا بصمة لا تُمحى.
أنتم لستم “متقاعدين”… أنتم “متحررين”.

 

Loading...