المغربية المستقلة : بقلم محمد قبلي

صورتان تختصران المشهد السياسي المغربي في السنوات الأخيرة، وتكشفان حجم الهوة بين السياسة كالتزام عمومي، والسياسة كعرض فرجوي.
الصورة الأولى: طبالة وغناء في المؤتمر

في المؤتمرات التنظيمية والجهوية للأحزاب، لم نعد نسمع عن أوراق سياسية تناقش أزمة التعليم، أو فشل النموذج التنموي، أو التهاب الأسعار. ما نراه هو شيء آخر تماما: زعيم يضرب على الطبل، وآخر يمسك بالطاس، وثالث يرقص على إيقاع كناوة، ورابع يتمايل أمام الكاميرات والهواتف على نغمة التبوريدة واحيدوس …..المؤتمر الذي كان يفترض أن يكون لحظة ديمقراطية داخلية، ومحطة لتجديد النخب وتقديم برامج، تحول إلى موسم فولكلوري. الرقص أصبح رسالة..نحن من الشعب، نحن نشبهكم. لكنه رقص بلا معنى، رقص تنظيمي محسوب، يراد به إخفاء خواء الأفكار وغياب المشروع. هو استثمار رخيص في العاطفة الشعبية والتراث المحلي لكسب ولاء مؤقت، بدل إقناع المواطن ببرنامج واضح.
السياسي الذي يرقص في القاعة المغلقة أمام مناضليه الذين تم تأطيرهم بعناية، هو نفسه الذي ينسى الرقص حين يخرج للشارع.
الصورة الثانية: المناديل البيضاء في الحملة
وفي المقابل، تأتي الصورة الثانية. نفس الوجوه، أو وجوه أخرى من نفس المدرسة، لكن هذه المرة بمناديل بيضاء. دموع تنهمر فجأة فوق المنصات، في التجمعات الخطابية، أمام عدسات المصورين….بكاء في اللحظة التي يدرك فيها السياسي أن خطابه لا يصل، وأن القاعة نصف فارغة، وأن المواطن لم يعد يصدق الوعود. بكاء يُقدم على أنه تأثر بمآسي الناس، وحب للوطن، وحرقة على مصلحة المواطن.
إذا كان الرقص في المؤتمر تعبيرا عن فرح مصطنع بالسلطة التنظيمية والتموقع داخل الحزب، فإن البكاء في الحملة هو تعبير عن خوف حقيقي من فقدان تلك السلطة. الأول احتفال بالكرسي الداخلي، والثاني توسل للكرسي الانتخابي.
بين المشهدين.. أزمة مصداقية…المفارقة المؤلمة أن المواطن المغربي لم يعد يصدق لا الرقص ولا البكاء…لا يصدق الرقص لأنه يعرف أن القرارات الحزبية لا تُصنع على إيقاع الطبل، بل في الكواليس والتوافقات المغلقة. ولا يصدق البكاء لأنه يرى نفس السياسي يعود بعد الانتخابات إلى برجه العالي، بلا دموع ولا طبل.
تحولت السياسة من مجال للترافع العقلاني وتناطح الافكار إلى إدارة للعواطف: نضحككم في المؤتمر لنقول إننا سعداء بكم، ونبكي أمامكم في الحملة لنقول إننا نحزن لحزنكم. وفي الحالتين، لا نقدم حلا.
المطلوب اليوم ليس سياسيا يجيد الرقص على الدقة المراكشية، ولا سياسيا يجيد البكاء بدموع التماسيح. المطلوب سياسي يجيد الإنصات، ويملك الشجاعة ليقول الحقيقة بلا طبل ولا منديل: ماذا فعل؟ وماذا سيفعل؟ وكيف سيحاسب إذا لم يفعل؟
إلى أن يحدث ذلك، سنبقى نتنقل بين حفلة رقص تنظيمية، ومسرحية بكاء انتخابية، والمواطن يتفرج من بعيد، وهو يعرف النهاية قبل أن يبدأ العرض.
