المغربية المستقلة : متابعة مولاي عبد الله الجعفري
في الأطراف الهادئة من مدشر أكادير أوزرو، بجماعة أقا، إقليم طاطا، يقيم رجلٌ تجاوز عمره 105 سنوات، لكنه لا يزال حاضرًا في الوعي الجماعي أكثر من كثيرين يصغرونه سنًا ويكبرونه ضجيجًا. إنه دفراجي أوصالح؛ اسمٌ لا يُختصر في سيرة فرد، بل في مرحلة كاملة من تاريخ المكان.
في زمنٍ تتسابق فيه الصور على الشاشات، يظل بعض الرجال عصيّين على الاختزال. لا حسابات افتراضية لهم، ولا تصريحات مثيرة، لكن لهم أثرٌ يمشي بين الناس. دفراجي أوصالح واحد من هؤلاء؛ رجلٌ مارس الخير كعادة يومية، لا كموسم عابر.
اشتغل الرجل معلم بناء بمنطقة تافراوت، وهناك ذاع صيته بين الأهالي بحسن التدبير ودقة الإنجاز. لم يكن البناء عنده مجرد حرفة، بل مسؤولية اجتماعية.
كان يُدرك أن البيت ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل أمانٌ لعائلة، وذاكرةٌ لأجيال. لذلك عُرف بطريقته الخاصة في التشييد، حيث تلتقي الخبرة المتوارثة مع حسٍّ فطريٍّ بالجمال والصلابة معًا.
في حديث من عايشوه، تتكرر عبارة واحدة: “كان يبني وكأنه يُشيّد حياة”. وهي عبارة تختصر فلسفة رجلٍ آمن أن الإتقان عبادة، وأن الجودة موقف أخلاقي قبل أن تكون معيارًا مهنيًا.
ساهم دفراجي أوصالح في بناء مسجد، وحفر آبار، وغرس أشجارًا لا تزال شاهدة على روح المبادرة لديه.
في بيئة جنوبية تعرف قيمة الماء كما تعرف قيمة الصبر، يصبح حفر بئر أكثر من عملٍ تقني؛ إنه إعلان انحياز للحياة. وغرس الشجر في أرضٍ قاسية هو رهان على المستقبل، لا على اللحظة.
اللافت في مساره أن فعل الخير لم يكن استثناءً في حياته، بل كان امتدادًا طبيعيًا لشخصيته. لم ينتظر تكريمًا، ولم يسعَ إلى تصفيق. كان يعمل بصمت، ويترك للزمن مهمة الشهادة.
إلى جانب البناء، مارس الفلاحة، وعاش تفاصيل الأرض موسمًا بعد موسم. خبر مسالك أقا وخباياها، وواكب تحولات المنطقة عبر عقود طويلة، حتى صار أشبه بذاكرتها الحية.
من يجالسه اليوم، يجلس إلى رجلٍ تختصر ملامحه قرنًا من التحولات. حديثه موزون، ورأيه نابع من تجربة لا من انطباع عابر.
ليس من السهل أن يحافظ إنسان على احترام محيطه طوال أكثر من قرن. لكن دفراجي أوصالح فعلها ببساطة؛ عبر سلوك مستقيم، وخلق رفيع، وعلاقة متوازنة مع الناس والأرض.
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالحضور الإعلامي، يذكّرنا هذا الرجل بأن هناك مقاييس أخرى للنجاح: الأثر، السمعة الطيبة، والدعاء الصادق في ظهر الغيب.
دفراجي أوصالح ليس مجرد معمّر تجاوز المئة، بل نموذج لجيلٍ بنى دون أن يشتكي، وأعطى دون أن يُحصي، وعاش ببساطة دون أن يتنازل عن كرامته.
حفظه الله وأطال في عمره، ومتّعه بالصحة والعافية. فبأمثاله تُصان الذاكرة، وتستمر القيم، ويظل الخير ممكنًا… حتى في أكثر الأزمنة صخبًا.
