المغربية المستقلة : بقلم سيداتي بيدا
تجسّد العناية المولوية السامية التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لرموز الفن والثقافة بالمملكة إحدى الركائز العميقة في فلسفة الحكم، حيث لا تُقاس الدولة فقط بصلابة مؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على صون ذاكرتها الرمزية والاعتناء بأعلامها الذين أسهموا في تشكيل الوجدان الجمعي للأمة. وفي هذا السياق، تندرج التعليمات الملكية السامية القاضية بنقل الفنان المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط على وجه السرعة، عبر طائرة طبية خاصة، من مدينة الداخلة إلى أحد المستشفيات المتخصصة بمدينة الدار البيضاء، كحدث ذي دلالات إنسانية وثقافية عميقة.
وقد جاءت هذه المبادرة الملكية الكريمة إثر تدهور مفاجئ في الحالة الصحية للفنان المعتزل فور وصوله من موريتانيا مساء يوم الاثنين، حيث استدعى وضعه الحرج إدخاله بشكل استعجالي إلى قسم العناية المركزة بالمستشفى العسكري بمدينة الداخلة لتلقي الإسعافات الأولية. وبموجب التعليمات السامية، تم تسخير كافة الإمكانيات الطبية واللوجستية لضمان نقل آمن وسريع، بما يتيح للفنان الاستفادة من رعاية صحية متقدمة تحت إشراف طاقم طبي رفيع المستوى بالعاصمة الاقتصادية.
إن هذه الالتفاتة الملكية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الفني والإنساني لعبد الهادي بلخياط، الذي يُعدّ واحداً من أعمدة الأغنية المغربية الأصيلة، وصوتاً طبع الذاكرة السمعية الوطنية بأعمال خالدة جمعت بين العمق الروحي والبعد الجمالي. لقد شكّل بلخياط، عبر تجربته الفنية ثم مساره التأملي بعد الاعتزال، نموذجاً للفنان الذي تجاوز حدود الشهرة إلى فضاءات القيم والمعنى، وهو ما يضفي على العناية به بعداً رمزياً يتجاوز الظرف الصحي الآني.
كما تعكس هذه المبادرة السامية رؤية ملكية تعتبر الثقافة والفن رافعتين أساسيتين للتنمية الشاملة، وتؤمن بأن الاعتناء بالمبدعين هو في جوهره اعتناء بالهوية الوطنية وبالرأسمال اللامادي للمملكة.
فحين تحظى القامات الفنية بالرعاية في لحظات الهشاشة، يتعزز الإحساس الجماعي بالانتماء، وتترسخ الثقة في مؤسسات الدولة كحاضنة للإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وفي المحصلة، فإن نقل الفنان عبد الهادي بلخياط في ظروف طبية استثنائية وبعناية سامية، ليس مجرد إجراء صحي عاجل، بل هو رسالة رمزية قوية مفادها أن المغرب، بقيادة جلالة الملك، يضع الإنسان في صلب اهتماماته، ويكرّم مبدعيه أحياءً، اعترافاً بإسهامهم في بناء الذاكرة الثقافية وصيانة الروح الوطنية.
