المغربية المستقلة : مولاي عبد الله الجعفري
أعاد الحسين أعنوز، رئيس جماعة تيلمي بإقليم تنغير، فتح نقاش عميق وحساس حول طبيعة النخب السياسية وحدود دور المثقف في العمل العمومي،مداخلة أثارت تفاعلًا واسعًا في الأوساط المحلية. نقاش لا يهم تنغير وحدها، بل يعكس إشكالًا بنيويًا تعيشه السياسة المحلية في عدة مناطق، حيث يطرح السؤال الجوهري: هل تكفي الثقافة والشهادات لنجاح الفاعل السياسي؟
الثقافة ليست ضمانة للنجاح السياسي
ينطلق أعنوز من مسلمة أساسية مفادها أن أزمة السياسة في الإقليم لا تكمن في غياب الأطر المتعلمة أو الكفاءات الأكاديمية، بل في عجز بعض هذه النخب عن ترجمة رصيدها المعرفي إلى فعل سياسي منتج وقرارات عملية تخدم المواطن. فبحسب طرحه، الانتقال من العمل الإداري أو التنظير الفكري إلى الممارسة السياسية يعرّي في كثير من الأحيان محدودية القدرة على التدبير وتحمل المسؤولية.
ويشير رئيس جماعة تيلمي إلى أن الثقافة، رغم أهميتها، لا تصنع لوحدها قائدًا أو زعيمًا محليًا، إذ يمكن للمثقف أن يمتلك لغة قوية وخطابًا متماسكًا، لكنه يفتقد للحلول الواقعية، أو يعجز عن تنزيل الأفكار إلى مشاريع ملموسة تمس الحياة اليومية للمواطن.
يُبرز المقال صورة “المثقف الفاشل سياسيًا”، وهو ذاك الذي يتقن النقد أكثر مما يتقن البناء، ويبرع في تشخيص الأعطاب دون أن يمتلك الشجاعة أو الكفاءة لتصحيحها.
مثقف حاضر في المنابر واللقاءات، لكنه غائب في الميدان، صوته مرتفع حين يتعلق الأمر بالكلام، ومنخفض حين تحين لحظة القرار والمحاسبة.
هذا الطرح لا يُدين الثقافة في حد ذاتها، بل ينتقد توظيفها كوسيلة للتفوق الرمزي أو لفرض الهيمنة الخطابية، بدل جعلها أداة لخدمة الصالح العام والاستجابة لانتظارات الساكنة.
في مقابل هذه الصورة، يطرح أعنوز نموذجًا آخر غالبًا ما يُهمَّش في النقاش العمومي، وهو نموذج الشخص البسيط أو الأمي أو شبه الأمي، الذي قد لا يمتلك رصيدًا لغويًا أو أكاديميًا، لكنه يتمتع بحس عملي عالٍ، وقرب حقيقي من المواطنين، وقدرة على قراءة الواقع واتخاذ قرارات نابعة من معايشة يومية لمشاكل الناس.
ويرى أن هذا النموذج، حين يتحلى بالنزاهة والصدق، قد يكون أكثر نفعًا للمجتمع من مثقف منفصل عن واقعه، لأن السياسة في جوهرها ليست استعراضًا فكريًا، بل ممارسة قائمة على الإصغاء والعمل والإنجاز.
يؤكد الحسين أعنوز أن السياسة ليست امتحانًا في البلاغة ولا ساحة لإثبات التفوق الذهني، بل هي اختبار حقيقي في النزاهة والقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية.
وعندما تفشل الثقافة في التحول إلى أثر إيجابي، فإنها تفقد قيمتها وتتحول من ميزة إلى عبء على التنمية المحلية.
ومن هذا المنطلق، يخلص المقال إلى أن نجاح أي فاعل سياسي، سواء كان مثقفًا أو بسيطًا، يبقى رهينًا بمدى التزامه بقضايا المواطنين وقدرته على التخفيف من معاناتهم بفعالية، لا بوصفها بالكلمات.
تندرج مداخلة رئيس جماعة تيلمي ضمن نقاش أوسع حول تجديد النخب السياسية بإقليم تنغير، وحول المعايير الحقيقية التي يجب أن تحكم اختيار من يتولى الشأن المحلي. وهي دعوة ضمنية لإعادة الاعتبار لقيم العمل الميداني، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز النظرة النخبوية الضيقة التي تختزل السياسة في الشهادات والألقاب.
يضع مقال الحسين أعنوز الفاعل السياسي أمام سؤال بسيط لكنه عميق: هل جئت لتتكلم باسم الناس، أم لتعمل من أجلهم؟
