ليست مجاملة ولا صدفة : صورة الملك محمد السادس في الإعلام السنغالي رسالة سياسية ناعمة… …

المغربية المستقلة  : توفيق مباشر

في زمن تُقاس فيه الرسائل أحيانًا بالكلمات الصاخبة والمواقف المعلنة، اختار التلفزيون السنغالي الرسمي لغة أكثر هدوءًا وعمقًا: الصورة. صورة الملك محمد السادس، التي وُضعت داخل أحد استوديوهاته المخصصة لتغطية نهائيات كأس أمم إفريقيا، لم تكن تفصيلاً بروتوكوليًا ولا زينة عابرة لفضاء إعلامي رياضي، بل رسالة رمزية قوية تختزل عقودًا من الثقة، والاحترام المتبادل، والعلاقات الأخوية المتجذرة بين الرباط وداكار.

حين تتحدث الصورة بما تعجز عنه الخطب

في الظاهر، قد يبدو المشهد بسيطًا: استوديو تلفزيوني، محللون رياضيون، وخلفية بصرية تضم صورة العاهل المغربي. غير أن القراءة العميقة لهذا الاختيار تكشف أنه فعل دلالي محسوب، يعكس وعيًا سنغاليًا بمكانة المغرب داخل القارة الإفريقية، وتقديرًا خاصًا لدور الملك محمد السادس، ليس فقط كقائد دولة، بل كفاعل محوري في صياغة نموذج إفريقي قائم على التعاون جنوب–جنوب.

فالإعلام الرسمي، بطبيعته، لا يترك الرموز للصدفة. وحين يقرر التلفزيون السنغالي إدماج صورة ملك دولة أخرى في فضاء بث موجه لملايين المشاهدين، فإن ذلك يعكس قناعة سياسية وثقافية بأن العلاقة مع المغرب تتجاوز الحسابات الظرفية والمناسبات العابرة.

المغرب والسنغال… علاقة لا تحكمها المواسم

ليست هذه اللفتة الإعلامية وليدة لحظة رياضية أو حماس جماهيري مرتبط بكأس إفريقيا، بل امتداد لمسار طويل من العلاقات المتميزة بين البلدين. علاقة تأسست على الاحترام المتبادل والندية، وتغذت من تعاون متعدد الأبعاد شمل السياسة، والاقتصاد، والتكوين الديني، والأمن الروحي، والاستثمار، والتعليم، والثقافة.

وقد شكلت زيارات الملك محمد السادس المتكررة إلى السنغال محطات مفصلية في ترسيخ هذه الروابط، حيث لم تكن زيارات بروتوكولية بقدر ما كانت زيارات شراكة وعمل، تُوقّع خلالها اتفاقيات ملموسة، وتُطلق مشاريع تنموية حقيقية تمس حياة المواطن السنغالي مباشرة.

الإعلام كقوة ناعمة… والرياضة كجسر

في سياق رياضي يتابعه ملايين الأفارقة، اكتسبت هذه الإشارة الإعلامية بُعدًا مضاعفًا. فالاستوديو التلفزيوني تحوّل، من حيث لا يبدو، إلى منصة دبلوماسية ناعمة، تُرسل رسائل تتجاوز تحليل المباريات وتوقع النتائج. رسالة مفادها أن الرياضة، حين تُدار بذكاء، يمكن أن تكون جسرًا للتقارب، لا ساحة للتنافس العقيم أو تصفية الحسابات.

هنا، لم تُستغل كرة القدم لإذكاء النعرات أو تغذية الخطاب العدائي، بل استُثمرت لحظة إفريقية جامعة لتأكيد قيم الاحترام والتقدير والوفاء بين شعبين شقيقين.

اعتراف بمكانة المغرب داخل إفريقيا

يرى متابعون للشأن الإفريقي أن وضع صورة الملك محمد السادس في استوديو التلفزيون السنغالي هو، في جوهره، اعتراف رمزي بمكانة المغرب داخل القارة. مكانة لم تُبنَ بالشعارات، بل بالعمل الميداني، والاستثمار، والانخراط الجدي في قضايا إفريقيا، من الساحل إلى غرب القارة.

كما تعكس هذه الخطوة وعيًا سنغاليًا بأن العلاقات القوية لا تحتاج دائمًا إلى بيانات رسمية، بل أحيانًا إلى إشارات صامتة تكون أبلغ أثرًا وأعمق دلالة.

ما وراء الصورة

هكذا، لم تكن صورة الملك محمد السادس في استوديو التلفزيون السنغالي مجرد عنصر ديكور في تغطية كأس أمم إفريقيا، بل عنوانًا لعلاقة استثنائية بين بلدين اختارا بناء شراكتهما على أسس ثابتة من الاحترام والوفاء والتعاون الصادق.

وفي زمن تتقلب فيه المواقف بسرعة، وتُختبر فيه العلاقات عند أول منعطف، تظل مثل هذه الإشارات الرمزية دليلًا على أن بعض الروابط الإفريقية ما زالت تحتفظ بعمقها الإنساني والسياسي… وأن الصورة، أحيانًا، تقول كل شيء دون أن تنطق بكلمة.

 

Loading...