المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
في الأيام الأخيرة، عادت أقاليم جهة الشمال إلى واجهة المشهد، لا من باب الهدوء ولا من بوابة التنمية، بل من ثغرة شائعة عابرة أشعلت في نفوس بعض الشباب نار الوهم. فقد تردّد همسٌ مريب عن “عبور جماعي” نحو سبتة المحتلة، فتهافتت خطواتٌ مضطربة إلى الطرق والمعابر، كأنّ الخلاص يُمنح في ساعة، وكأنّ الحدود تُفتح بالإشاعة لا بالقانون.

لكن الحقيقة، كما يعرفها العاقل، لا تختبئ خلف شاشة هاتف ولا خلف كلمات تُلقى بلا صاحب. الحقيقة أن الطريق الذي يُسوَّق كفرصة، هو في جوهره منحدرٌ حادّ يقود إلى المجهول، وأن ما يبدو باباً مشرعاً ليس إلا فوهة ظلام تُبتلع فيها الأحلام بلا صوت.
المشهد الذي ترصده أعين السلطات، اليوم، ليس مشهداً لبحث عن مستقبل؛ بل مشهدٌ لمجازفين يطاردون سراباً يصنعه الخداع الجماعي. شباب يتجمّعون متشبثين بروايات تائهة، غير مدركين أنّ الشائعة التي تُغريهم لا تملك سوى القدرة على إشعال الحماس اللحظي، بينما تتركهم لاحقاً وجهاً لوجه أمام عواقب لا يشفع فيها الندم.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاندفاع وراء إشاعة واحدة قادر على خلق موجة فوضى، وأن لحظة تدافع واحدة قد تُنهي حياة شاب خرج باحثاً عن فرصة، فعاد رقماً في لائحة الضحايا. وما بين الأمل الخام والخطر الصريح، يبقى الفرق شاسعاً بين من يبني حلمه على عمل وصبر، ومن يضع مصيره في يد أخبار تُصاغ على عجل.
إنّ خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في كثافة المتجمهرين عند المعابر، بل في هشاشة الوعي التي تجعل من الوهم سلطةً نافذة. فمن يصدّق أنّ سبتة ستفتح أبوابها فجأة، يجهل قوانين الهجرة، ويغفل عن واقعٍ لا يتغيّر:
لا يُستقبل العابرون غير النظاميين، لا تُمنح الفرص على الحدود، ولا يُسترجَع العمر إن ضاع في لحظة تهوّر.
ولذلك، فإن الردع الحقيقي ليس في الحواجز الأمنية وحدها، بل في وضوح الرسالة:
إنّ الطريق إلى الضفة الأخرى ليس جسراً معلقاً بالأمل، بل اختبارٌ قاسٍ لا ينجو منه إلا ثمنٌ باهظ.
كل خطوة غير محسوبة قد تتحوّل إلى قيد، وكل اندفاع نحو المجهول قد يُفضي إلى نهاية لا كتوبة لها، وليس في الضفة الأخرى ملاجئ للواهمين ولا حياة تُضمن بالعبور الخفي.
إنّ شباب الشمال يستحقون مستقبلاً يُبنى على الوعي لا على الاندفاع، وعلى الحقيقة لا على الوهم. أما الشائعة، حين ترتدي ثوب الحلم، فهي لا تفتح باباً؛ إنها فقط تدفع أصحابها نحو حافةٍ لا عودة منها إلا بندبة العمر.
