المغربية المستقلة : مروان عسالي
شهدت جماعة تيط مليل جدلاً واسعاً عقب تداول فيديوهات لمواطنين يؤكدون أنهم تم استدراجهم إلى لقاء سياسي تحت وعد بالحصول على “قفف غذائية”. وبينما بادر حزبا التقدم والاشتراكية و العدالة والتنمية إلى إصدار بلاغين رسميين يستنكران الواقعة ويعتبرانها استغلالاً للهشاشة، يظلّ حزب التجمع الوطني للأحرار—الجهة المنظمة للّقاء—في صمت مطبق دون أي بيان رسمي إلى حدود كتابة هذه السطور، وهو صمت يطرح أسئلة إضافية في ظل تفاقم الجدل.
ورغم تقديم بعض المنتسبين للحزب تصريحات فردية أو فيديوهات مضادة، إلا أنها لا تُعتبَر موقفاً رسمياً ولا بياناً صادراً عن هياكل الحزب، ما يترك الفراغ قائماً حول التفسير الواضح لما وقع فعليًّا.
لكن خلف ضجيج السجال السياسي، تبرز زاوية قانونية بالغة الحساسية:
هل يمكن تكييف ما جرى “وفق تصريحات المواطنين” كصورة من صور الاتجار بالبشر طبقاً لقانون 27.14؟
الاتجار بالبشر… حين تُستغل الهشاشة لأغراض ليست بالضرورة مالية
القانون المغربي لمكافحة الاتجار بالبشر (27.14) يحدد ثلاثة عناصر أساسية للجريمة: الفعل، الوسيلة، والغاية.
وبالرجوع إلى تصريحات المواطنين التي انتشرت في فيديوهات عديدة، يمكن الوقوف عند إمكان وجود هذه العناصر نظريًّا.
الفعل : الاستدراج ونقل الأشخاص
صرّح مواطنون من تيط مليل بأنهم: تلقّوا إشعاراً بوجود “محسن” سيقوم بتوزيع قفف غذائية. وجرى توجيههم إلى مكان الاجتماع، ليُفاجأوا بأنهم داخل لقاء حزبي للشبيبة. هذا الوصف يتوافق مع عنصر “الاستدراج” كما يعرفه القانون، حيث يتم دفع أشخاص للانتقال إلى مكان معيّن بناء على معلومة غير صحيحة حول طبيعة النشاط.
الوسيلة: الخداع واستغلال الهشاشة
القانون يعتبر “الخداع” و“استغلال حالة الضعف أو الهشاشة” من أهم الوسائل التي تجعل الفعل ذا طابع جنائي.
تصريحات المواطنين أوضحت أنهم:
ينتمون إلى فئات معوزة، وأن وعد “القفة” كان هو الدافع لحضورهم، وأنهم لم يكونوا على علم بطبيعة النشاط السياسية. إن استعمال الحاجة الاقتصادية لجلب أشخاص إلى نشاط غير الذي أُخبروا به هو عنصر محوري في مفهوم “استغلال الهشاشة”، وهي نقطة توردها تقارير دولية ووطنية كأحد الأشكال المتكررة للاتجار بالبشر في صور غير تقليدية.
الغاية: الاستغلال لتحقيق منفعة
القانون لا يحصر الاستغلال في الأبعاد الجنسية أو العمالية فقط، بل يترك تعريفه منفتحاً على أي منفعة تُنتزع باستعمال الخداع والهشاشة. وبالتالي، إذا ثبت أن:
حضور الأشخاص استُعمل لإظهار كثافة أو شرعية لنشاط سياسي، وأن هذا الحضور كان نتيجة خداع، فإن الفعل يمكن أن يُناقش قانونياً كـ استغلال للضعف لتحقيق منفعة سياسية. وهذه القراءة لا تدين أي جهة مسبقاً، لكنها تفتح الباب أمام ضرورة التحقيق.
بين الصمت الرسمي والمسؤولية السياسية
غياب أي توضيح مكتوب من حزب التجمع الوطني للأحرار يزيد من تعقيد المشهد. فبينما يُفترض أن يكون الحزب أول من يوضح ملابسات ما جرى—خصوصاً مع تداول شهادات مواطنين تُظهر انزعاجهم—يظل الموقف الرسمي غائباً، ما يعمّق الشكوك ويعطي للموضوع أبعاداً أكبر من مجرد “سوء تفاهم”.
كما أن تحويل بعض المنابر الإعلامية الواقعة إلى مجرد “صراع حزبي” يطمس البعد الإنساني والاجتماعي الذي عبّر عنه الضحايا المفترضون، ويُغفل سؤال الكرامة واحترام المواطن.
الواقعة تتجاوز السياسة إلى سؤال الكرامة والحق
بناء على تصريحات السكان والبلاغات الرسمية للأحزاب وغياب بيان من الجهة المنظمة، يمكن القول إن الواقعة تحمل مؤشرات قانونية تستحق التحقيق، وقد تقترب—نظرياً—من مكونات جريمة الاتجار بالبشر بالمعنى الواسع كما حدده القانون 27.14، خصوصاً في جانب استغلال الهشاشة و استعمال الخداع. وحتى تتضح الحقيقة كاملة، يبقى الطريق القانوني والبحث القضائي هو الفيصل، لأن كرامة المواطنين لا ينبغي أن تكون وقوداً لأي نشاط سياسي أو إعلامي.
إن جميع التحليلات الواردة تعتمد فقط على ما هو متداول إعلامياً وشهادات مواطنين، ولا تجزم بوقوع أي خرق قانوني ، الحسم يبقى للقضاء وحده لانه عنوان الحقيقة.
