الإفراط في القراءة… حين تتحول المعرفة إلى استهلاك سطحي

المغربية المستقلة  : بقلم فؤاد المنصوري

في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات، وتُقاس فيه القيمة الثقافية بعدد الكتب المقروءة، تبرز ظاهرة تستحق التوقف عندها: هل كثرة القراءة تعني بالضرورة زيادة في الذكاء أو الوعي؟. 

الواقع يشير إلى أن القراءة غير المتأنية قد تتحول إلى مجرد استهلاك معرفي، لا يختلف كثيرًا عن التهام الطعام دون هضم. فهناك من يلتهم الكتب التهامًا، دون أن يمنح نفسه فرصة للتأمل في الأفكار، أو التفاعل معها، أو حتى إدراك عمقها. هؤلاء، حين يتحدثون، لا يعبرون عن فهم شخصي أو تجربة فكرية، بل يرددون نصوصًا جاهزة من هيغل أو هيدغر أو ماركس، كما لو أنهم يُفرغون محتوى غير مهضوم، أشبه بمن يتقيأ طعامًا نيئًا.

إن القراءة ليست سباقًا نحو الكم، بل هي عملية تحويل داخلية ، تتطلب جهدًا ذاتيًا وزمنًا كافيًا، تمامًا كما تحتاج النحلة إلى وقت وطاقة لتحويل الرحيق إلى عسل. فالمعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بالقدرة على التفاعل، على النقد، وعلى إعادة إنتاج الفكرة في سياق جديد.

ولعل ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف علاقتنا بالقراءة: أن نقرأ ببطء، أن نقرأ بوعي، وأن نقرأ لنفكر، لا لنُبهر. فالمثقف الحقيقي ليس من يحفظ الكتب، بل من يُعيد تشكيلها في ضوء تجربته، ويُنتج من خلالها فكرًا حيًّا ومؤثرًا.

في زمن الضجيج المعرفي، تظل القراءة الواعية فعلًا مقاومًا، ومسارًا نحو بناء عقل نقدي لا يكتفي بالتلقي، بل يسعى للفهم والتجاوز.

Loading...