ملصقات طنجة… حين تتحول تدوينة إلى قضية رأي عام

المغربية المستقلة  : بقلم الاعلامي حسن مقرز

في الأيام الأخيرة، استيقظت مدينة طنجة على مشهد غير مألوف :

ملصقات وأوراق معلقة على جدران الشوارع وموزعة بين المارة، تحمل مقتطفات من تدوينة نشرها دكتور مغربي على صفحته الخاصة كما نشرتها احدى الصحف الالكترونية. ما بدا في البداية نقاشًا افتراضيًا على وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما خرج من العالم الرقمي إلى الفضاء العمومي، مثيرًا جدلًا واسعًا بين من اعتبر الأمر تعبيرًا عن رفض مشروع، وبين من رأى فيه خرقًا للقانون وتهديدًا لسيادة الدولة.

بين فضاء التيكتوك وجدران طنجة

التدوينة الأصلية كانت رأيًا شخصيًا لصاحبها، لكنها أثارت موجة من الانتقادات والردود. غير أن الغريب، كما يعلق أحد سكان طنجة، هو أن “الخلاف لم يبقَ محصورًا في وسائل التواصل الاجتماعي، بل وجدناه معلقًا على جدران مدينتنا وكأنه بيان سياسي”.
بالنسبة للكثير من المواطنين، بدا الأمر أشبه بمحاولة “إجبار الشارع” على الدخول في نقاش لم يختره. إحدى الطالبات الجامعيات التي صادفت الملصقات قالت: “كنت أظن أننا في زمن النقاش على الإنترنت، لكن أن أجد التدوينة مطبوعة أمامي في الشارع فهذا يطرح علامات استفهام كثيرة.”

القانون: بين الحق والحدود

من الناحية القانونية، يشترط قانون الصحافة والنشر المغربي الحصول على ترخيص مسبق قبل إلصاق أو توزيع أي منشورات في الفضاء العام. ويؤكد المحامي محمد الهيني أن “المبادرة مجهولة المصدر، ومثل هذه الأفعال تدخل في خانة الأفعال المجرمة، خاصة إذا تضمنت تشهيرًا أو تحريضًا”.

أما احد الحقوقيين فيرى أن حرية التعبير مكفولة دستوريًا، لكن “استعمال الشارع كأداة لتصفية حسابات فكرية أو شخصية هو خروج عن القانون، ويهدد التعايش داخل المجتمع”.

قضية شخصية أم شأن عام؟

الجدل القائم اليوم يتمحور حول سؤال أساسي: هل ما جرى مجرد صراع شخصي مع الدكتور، أم محاولة متعمدة لتحويل الموضوع إلى قضية رأي عام؟

الحقوقية خ.م تعتقد أن هذه الخطوة تعكس “نزعة لفرض وصاية أخلاقية على المجتمع خارج المؤسسات، وهو مسار خطير يعيدنا إلى منطق المحاكمات الشعبية”.

في المقابل، يرى بعض المواطنين أن الأمر “مجرد رد فعل غاضب”، لكنه – في نظرهم – فقد مشروعيته عندما نُقل إلى الفضاء العام بشكل غير قانوني.

موقف السلطات

السلطات المحلية فتحت تحقيقًا لتحديد هوية الفاعلين، حيث يجري التنسيق مع النيابة العامة من أجل معرفة الجهة التي تقف وراء الملصقات. مصادر مطلعة أشارت إلى أن “التحقيق لا يركز فقط على مضمون المنشورات، بل أيضًا على مسألة احترام القانون المنظم لاستعمال الفضاء العام”.

بين حرية الرأي وسيادة القانون

القضية تطرح سؤالًا أعمق: كيف نضمن حرية التعبير دون أن تتحول إلى فوضى في الشارع؟
فالخلاف حول تدوينة يظل مشروعًا إذا بقي في حدود النقاش الافتراضي أو الردود القانونية، لكن استغلال الفضاء العمومي دون إذن يجعل منه فعلًا مخالفًا يهدد النظام العام.
فما جرى في طنجة ليس مجرد خلاف عابر، بل مؤشر على تصاعد التوتر بين حرية التعبير من جهة، واستعمال الشارع كأداة ضغط من جهة أخرى. فالفضاء العام ملك للجميع، ومنظَّم بالقانون، ولا يمكن أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
وتبقى القضية إذن اختبارًا للدولة في قدرتها على حماية الحريات الفردية، وفي الوقت نفسه ضمان احترام القانون، حتى لا تتحول الملصقات الورقية إلى أداة لفرض الوصاية خارج المؤسسات.

Loading...