المغربية المستقلة : بقلم حسن مقرز بروكسيل
“حزب الجالية”… اسمٌ براق، لكنه يطرح أكثر مما يجيب. من منحكم التفويض لتتحدثوا باسم ملايين المغاربة المقيمين بالخارج؟ من فوّضكم لتُلبسوا أنفسكم هذا اللقب الكبير، وتُصدروا البيانات والوعود، وكأنكم الناطق الرسمي باسم جالية لم تستشرها ولم تمثلها يومًا في معاركها الحقيقية؟
فتسمية أي كيان سياسي أو جمعوي بـ”حزب الجالية” تحمل ضمنيًا ادعاءً بالتمثيل الشامل، وكأن هذا الحزب يُجسّد رأي كل مغاربة العالم، باختلاف بلدانهم، أوضاعهم الاجتماعية، وتوجهاتهم السياسية. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا: لا وجود لانتخابات داخلية ديمقراطية في أوساط الجالية لاختيار ممثليها.
ولا تُعرض برامج هذه الأحزاب أو التنظيمات على أبناء الجالية للمصادقة أو النقاش.كما لا توجد مؤسسات شفافة تحاسب من يتحدث باسمهم أو تمكّنهم من سحب الثقة.
فكيف تتحول أقلية – أحيانًا أفراد محدودون – إلى ناطق رسمي باسم ملايين؟
واطرح السؤال من الجالية أم على ظهر الجالية؟
ما نراه في كثير من الحالات ليس “حزب الجالية”، بل حزب على ظهر الجالية: فاستغلال اسم الجالية في حملات انتخابية أو دعائية. والبحث جسر للعبور نحو المناصب.
وليعلم من يحاول تاسيس هذا الحزب على حساب الجالية انه اسم بلا شرعية و ادعاء فارغ
فمن أراد أن يمثل الجالية، عليه أن:
يُنتخب من داخلها، لا أن يُنصّب نفسه زعيمًا باسمها. ويُحاسَب من طرفها، لا أن يتحدث فوقها.
وعليه ان يحمل برامج فعلية تعكس أولوياتها، لا شعارات فارغة تُركّب على “لوغو” حزبي.
فالتمثيل الحقيقي ليس تسمية
وأن تُسمي نفسك “حزب الجالية” لا يعني أنك تمثل الجالية. الاسم لا يُمنح ذاتيًا، بل يُنتزع عبر المصداقية، العمل الميداني، والشرعية الديمقراطية. أما أن تختبئ خلف الاسم لتتاجر بهموم الناس، فذلك سقوط أخلاقي قبل أن يكون خداعًا سياسيًا.
و”الجالية ليست لافتة تُعلّق وقت الحاجة… بل روح موزعة عبر القارات، تحتاج من يُنصت لها ، لا من يتاجر بها .”
فقد اعتدنا في كل موسم انتخابي أو مناسبة وطنية، يظهر علينا بعض الأشخاص – من سياسيين، فاعلين جمعويين، أو حتى من يدعون انهم ممثلين للجالية – يرفعون شعار “الوطنية” عالياً، يتحدثون باسم الجالية، ويتاجرون بمشاعر الانتماء والحب للوطن، لكن خلف هذا الخطاب العاطفي تختبئ مصالح شخصية، حسابات انتخابية، وصفقات مشبوهة.
فالوطنية ليست تجارة موسمية
والوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأعلام التي تُرفع في المهرجانات، ولا بعدد صور الملك التي تُعلّق في صالات المناسبات. فالوطنية مسؤولية مستمرة، تتجلى في الدفاع عن حقوق المواطنين، سواء داخل الوطن أو في بلاد المهجر، والعمل بجدية على حل مشاكلهم، لا استغلالهم.
ولكن الواقع المرير يقول إن بعض الجهات: تُنظم وقفات وحفلات وندوات شكلية لركوب موجة “الوطنية”.
وتقوم باستخدام صور الجالية وشهاداتهم كديكور إعلامي.
كما تقوم بجمع التبرعات والمساعدات باسم حب الوطن، ثم لا يُعرف أين تذهب الأموال. وبالنسبة لهم الجالية… مخزن انتخابي عند الحاجة
فعندما تقترب الانتخابات، تبدأ حملات “الحنين إلى الوطن”، وفجأة ميلاد حزب جديد وظهور بعض الوجوه الغير المعروفة وسط افراد الجالية . كما يتم استدعاء أفراد من الجالية لحضور لقاءات لا يتعدى دورهم فيها التصفيق والتقاط الصور، دون أي أثر ملموس لمطالبهم المزمنة.
فهم أبطال “الفيديوهات”.. وصمت في الميدان.
فلا تخلو منصات التواصل من مقاطع لأشخاص يدّعون الدفاع عن الوطن ويقدمون أنفسهم كـ”صوت الجالية”، بينما لا يمتلكون لا مشروعًا ولا مصداقية. يتحدثون عن الوطنية بلغة خشبية، بينما يجهلون أبسط قضايا الهجرة، ولا يعرفون شيئًا عن حياة المغاربة في الخارج، من غلاء المعيشة، إلى صعوبات الاندماج، أو حتى العنصرية.
وفي الواقع، هم أقرب إلى تجار هوية منهم إلى فاعلين وطنيين.
فنذكرهم ان الوطنية فعل يومي، لا موسم انتخابي والوطني الحقيقي: لا يحتاج كاميرات ليثبت ولاءه. ولا يركب موجة الجالية ليترشح في البرلمان.
ولا يستغل المناسبات الوطنية لصنع “بطولة كاذبة”. ولا يتجاهل مطالب الجالية طيلة العام، ويعود إليهم فقط عندما يكون “الكرسي على المحك”
فالجالية ليست سلعة دعائية
ومغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام تحويلات مالية أو أصوات انتخابية. هم مواطنون كاملو الحقوق، يستحقون من يمثلهم بصدق، لا من يستغلهم بشعارات رنانة وخطابات جوفاء. الوطن أكبر من أن يُختزل في صورة أو شعار، وأعمق من أن يُباع في موسم الانتخابات .
