المغربية المستقلة : بقلم ذ. ابراهيم ابهوش صحفي مغربي
في لحظة وطنية سامية، اختارت مدينة العيون، عاصمة الصحراء المغربية، أن تحتفل بعيد العرش المجيد بنكهة بيئية تحمل رمزية التحول وتطلعات المستقبل، وقد أحسن صنعا عمدة المدينة، ورئيس الجهة، ووالي الجهة، وعمال الأقاليم، وكل من يحمل غيرة صادقة على هذه الربوع، في جعلها في مستوى التحديات الوطنية الكبرى، داخليًا وخارجيًا.
لم تكن هذه الاحتفالات مجرد طقوس تقليدية، بل تحولت في اعتقادي إلى مناسبة للانطلاق نحو نمط حضري جديد، تجسده مشاريع تهيئة المناطق الخضراء التي بدأت تتخذ مكانها الطبيعي في قلب المدينة، معلنة بذلك بداية عهد تنموي أكثر توازنًا واستدامة.
ويُعد هذا التوجه البيئي ثمرة إرادة رسمية واعية تُدرك أهمية تحسين جودة الفضاء العام في المدن الصحراوية، حيث تواجه أقاليم الجهة وعلى رأسها العيون ظروفًا مناخية قاسية، ومع ذلك تُثبت مرة أخرى قدرتها على تجاوز التحديات بفضل الرؤية الملكية السديدة وما تسخره الدولة من إمكانيات مالية وتقنية معتبرة.
وفي السياق ذاته، تنخرط مدن الجنوب الأخرى مثل السمارة طرفاية بوجدور والداخلة في هذا التحول البيئي والتنموي، ساعية إلى بناء فضاءات حضرية متطورة رغم قساوة المحيط الطبيعي. وتشهد هذه المدن دينامية عمرانية متسارعة تجعل منها اليوم نموذجًا حضريًا بيئيًا يُحتذى به، يزاوج بين الحفاظ على البيئة وتوفير شروط العيش الكريم.
وإذا كانت هذه المشاريع تجسد مجهودًا ماديًا ملموسًا لتأهيل المجال، فإن الرهان الأكبر يظل في تأهيل الإنسان، خاصة في ما يتعلق بقطاع التشغيل، الذي لا يزال يمثل معضلة حقيقية بهذه الجهات. فرغم التوسع العمراني والتجهيزات الحديثة تبقى نسب البطالة بين الشباب والخريجين مقلقة، في ظل عجز سوق الشغل عن استيعابهم، وعدم قدرة الجهات الجنوبية على مجاراة دينامية الاستثمار التي تعرفها مناطق الشمال، حيث تتمركز أبرز المؤسسات المواطنة والفرص الاقتصادية الكبرى.
وحسب أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024، سجلت نسبة البطالة في جهة العيون الساقية الحمراء حوالي 26.6%، بينما ارتفعت في جهة كلميم واد نون إلى 31.5%، وهي من أعلى النسب على المستوى الوطني. أما جهة الداخلة وادي الذهب فقد سجلت معدلًا أقل بلغ 10.6%، وهو أدنى من المعدل الوطني الذي قدر بـ21.3%. هذا التباين يعكس تحديات بنيوية في سوق الشغل بالأقاليم الجنوبية، ويدفع نحو ضرورة تعزيز الاستثمار المحلي وتحسين آليات الإدماج المهني.
يشكل عيد العرش هذا العام في مدينة العيون وباقي الأقاليم الجنوبية بالجهات الثلاث محطة بارزة لتجديد البيعة والولاء وفرصة لتجسيد التحول التنموي الذي تعرفه هذه الربوع، فقد شهدت مدينة العيون تدشينات نوعية من أبرزها مشروع الجسر على واد الساقية الحمراء الذي يُعد من أكبر المنشآت الطرقية بالمملكة إلى جانب زيارات ميدانية لأوراش ومشاريع كبرى تعكس الدينامية المتواصلة في المنطقة.
وفي الداخلة يتواصل العمل على ميناء الداخلة الأطلسي الذي يُرتقب أن يُصبح أحد أهم الموانئ الإفريقية، بينما تشهد كلميم والسمارة وبوجدور مشاريع بيئية وصحية وتعليمية مثل بناء مستشفيات جامعية ومراكز لتحلية المياه وكليات الطب والصيدلة مما يعزز مكانة هذه الجهات كبوابة اقتصادية واستراتيجية للمملكة.
هذا الزخم التنموي يُترجم التوجيهات الملكية السامية ويُبرز إرادة الدولة في جعل الأقاليم الجنوبية قطبًا استثماريًا ومجالًا حيويًا للتنمية المستدامة، حيث يُوضع الإنسان في صلب السياسات العمومية وتُفتح آفاق جديدة أمام الشباب والساكنة المحلية.
ختامًا ، فإن عيد العرش هذا العام ليس فقط احتفاءً بتاريخ مجيد وبيعة دائمة ومتجددة بين ساكنة هذه الأقاليم الصحراوية المغربية الغالية ، بل هو لحظة لتقييم السياسات العمومية على عدة مستويات وايضا التفكير بصوت عالٍ في قضايا التنمية والتاكيد على أن لبناء المدن أهمية كبيرة لكنها لا تكتمل دون بناء الإنسان وأن المساحات الخضراء مهما بلغت جاذبيتها لا تُعطي المعنى الكامل إلا إذا وُظفت في خدمة رفاه المواطن الذي يكتمل بايجاد فرصة عمل تضمن معها استقرار المجتمع ومستقبل الوطن.
