التفاهة في كل شيء… ثلاثية المعقولية والمفهومية والمعلومية كطريق للنجاة

المغربية المستقلة  : بقلم فؤاد المنصوري

في عصر ما بعد الحداثة، حيث باتت السرعة طاغية، والانتشار معيارًا، تبرز ظاهرة لافتة تستحق التوقف والتأمل: تفشي التفاهة في مختلف مجالات الحياة. من الإعلام إلى التعليم، ومن الثقافة إلى أنماط التواصل اليومي، باتت الرداءة تُسوّق، والسخافة تُقلد، وسط غياب شبه تام للقيم المعرفية الحقيقية والمنطقية الرصينة.

الإعلام… حين يصير الضجيج أهم من الرسالة.

لم تعد القنوات والمنصات الرقمية حريصة على المضمون، بل أصبح “الترند” هو البوصلة، حتى ولو حمل في طياته مضمونًا أجوف. تفاهة المنصات تتمثل في محتوى يركّز على الإثارة، والفضائح، واللهو، متغافلًا عن الدور التنويري والناقد للوسائط الإعلامية. المشاهير بلا محتوى، أصبحوا هم صناع الرأي، في مفارقة محزنة.

المدرسة والجامعة… من منارة إلى مسرح للحفظ

أما في التعليم، فقد اختلطت المفاهيم. باتت الشهادة هدفًا أكثر من كونها وسيلة. الطلاب يحفظون دون فهم، والمدرسون في أحيان كثيرة يُطالبون بالتبسيط لدرجة التفاهة من أجل ما يُسمى بـ”جاذبية المعلومة”. وبهذا، تراجع الفكر النقدي، وصعدت ثقافة “النجاح الوهمي”.

العلاقات والذوق العام… تراجع المعنى أمام القناع

تأثرت العلاقات الإنسانية أيضًا، حيث غابت الأصالة، وسادت لغة المجاملات المصطنعة. أصبح الحوار خفيفًا، والمواقف سطحية، والعلاقات مؤقتة… وكأن التفاهة تسللت حتى إلى الطريقة التي نشعر بها، ونعبّر بها عن مشاعرنا.

ثلاثية النهوض: المعقولية، المفهومية، المعلومية

للخروج من هذا النفق، نحن بحاجة لإحياء منظومة فكرية وقيمية، يمكن تلخيصها في ثلاثية:

-المعقولية: العودة إلى التفكير المنطقي المتّزن، والابتعاد عن المبالغات والانفعالات العابرة.
-المفهومية: الفهم العميق بدل التلقي السطحي، والسعي نحو تحليل المعاني لا فقط استقبالها.
-المعلومية: المعرفة المبنية على مصادر موثوقة، والمنهج القائم على التدقيق والتوثيق.

الختام… لا بديل عن العمق

إن أخطر ما تُخلّفه ثقافة التفاهة هو تطبيع الرداءة، وتحويل الهامشي إلى مركزي. ولذلك، نحن بحاجة إلى مشروع نهضوي يبدأ من الوعي الفردي ويثمر في التحول الجماعي ، يعيد الاعتبار للكلمة الوازنة، والفكرة العاقلة، والمعلومة الدقيقة.

ففي زمن الضجيج، يصبح صوت العقل هو المقاومة الأجمل.

Loading...