المغربية المستقلة :
في ظل غياب ضوابط قانونية صارمة تحمي إرادة الناخب وتضمن استقرار المشهد الحزبي، باتت ظاهرة الترحال السياسي مشهدًا مألوفًا، خصوصًا في الساحة المحلية، حيث يتنقّل بعض المنتخبين بين الأحزاب كما تتنقل الطيور بين الأغصان، دون اكتراث للمرجعية الفكرية أو الالتزام البرنامجي، وكأنّ الانتماء الحزبي لا يعدو أن يكون بطاقة عبور نحو المصالح الخاصة.
أحد النماذج الصارخة لهذا السلوك يتمثل في رئيس جماعة قروية بدأ مساره السياسي بحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، قبل أن يغادر نحو حزب الاستقلال، ثم حزب الأصالة والمعاصرة، فالتجمع الوطني للأحرار، وها هو اليوم يقوم بجولات واتصالات تمهيدًا للعودة مجددًا إلى حزب “الجرار”. هذا التنقّل السريع بين الأحزاب لا يُعبّر عن تطوّر في القناعات، بل عن انتهازية سياسية تُفرغ العمل الحزبي من محتواه الحقيقي.
والأخطر من ذلك، أن هذا الشخص لا يزال يترأس الجماعة باسم حزب “الحمامة”، بينما يتحرّك بالتوازي مع حزب آخر، في ازدواجية تطرح أسئلة كبرى عن الالتزام السياسي، والشرعية الأخلاقية، واحترام إرادة الناخبين الذين منحوه الثقة بناءً على لون سياسي معين. فأين هو البرنامج الذي انتُخب لأجله؟ وأين المصداقية السياسية؟ وماذا عن الوفاء للعهود؟
حيث تنتظر الساكنة برامج حقيقية تنقذها من التهميش والعزلة، لا يجد المواطن سوى شعارات جوفاء، ومجالس صامتة، ومنتخبين غارقين في حساباتهم الخاصة. أما المشاريع التنموية، فغائبة أو متوقفة. ومع كل هذا، يتنقّل بعض الرؤساء بين الأحزاب وكأنهم في رحلة تسوّق سياسي.
لقد تحوّل العمل الحزبي في بعض الأوساط إلى سلوك نفعي لا علاقة له بالسياسة ولا بخدمة المصلحة العامة، مما ساهم في تكريس عزوف الشباب عن التصويت، وزعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتفريغ المشهد السياسي من الكفاءات النزيهة ذات المشاريع الجادة.
إن الحاجة اليوم ماسّة إلى إصلاحات قانونية تضع حدًا لهذا التسيّب،
وفي الختام، نقول لهؤلاء:
“عند فورا… إبان الحساب.”
فالمواطن لم يعد غافلًا، وموسم المحاسبة قادم لا محالة، والشرعية لا تُبنى على التلوّن، بل على الوفاء للعهود وخدمة الصالح العام.
